من منا ينسى حب جدته له وتدليلها المفرط، خاصة إذا كان الحفيد الأول للأسرة, وكم كان متعلقًا بها وحزن كثيرًا لوفاتها. هذه الصورة الجميلة تكاد تتلاشى الآن بعد تمسك كل ابن بخصوصيته بعد الزواج رغبة منه في عدم تدليل الأطفال تدليلًا مفرطًا يفسد تربيتهم، وبالتالي يلجأ إلى مربيات خمس نجوم أو حتى نجمة واحد، المهم ألا تتدخل والدته أو حماته في تربية أطفاله. لنجد في النهاية أن غياب الجدة عوضته المربية التي يتم الاستعانة بها للضرورة بسبب ظروف عمل الأب والأم معا، لكن وجود هذه الأخيرة، سواء كانت مربية أو خادمة يعهد إليها الإشراف ولو مؤقتًا على تربية الأبناء في غياب الوالدين، يثير نقاشات كثيرة بسبب ما قد يخلفه من آثار اجتماعية ونفسية سلبية على الأبناء، وهو ما تؤكده العديد من الحوادث.
تعالت أصوات عديدة تطالب بإحياء دور الجدات في تربية وتوجيه سلوك الأبناء، عوض المربيات «الغريبات»، متناسين أن تأثير الجدات على الأبناء لم يكن دائما بتلك الصورة المثالية التي ترسمها حكايات الأطفال المصورة، والتي يتحدث عنها البعض بحنين جارف يتغافل عن المشاكل التي كانت وما زالت تنجم عنها. فصلة القرابة التي تجمع الجدة بالأحفاد، تمنحها صلاحية التدخل في مختلف الأمور الصغيرة والكبيرة داخل البيت، فيما يبقى دور المربية محدودًا، لأنها، في الغالب لا تجرؤ على التدخل في أمور لا تعنيها، ولا تقوم سوى بتنفيذ ما يطلب منها. يدللن الأطفال لكسب رضاهم، بالإضافة إلى ذلك، تتغاضى الكثير من الجدات عن أخطاء الأطفال ويبالغن في تدليلهم من أجل كسب رضاهم وضمان تعلقهم بهن، لان ذلك يشعرهن بأهميتهن في حياة أبنائهم، ويدخل السعادة على قلوبهن ويخرجهن من عزلتهن. ولا يقتصر الأمر على التدليل فقط، بل يشتكي العديد من الآباء والأمهات بأن الجدات أو الأجداد الذين يعيشون معهم في المنزل، يحرضون الأبناء على عصيان أوامرهم، عندما يتعلق الأمر بعدم السماح لأطفالهم بالسفر أو باللعب خارج البيت، وغير ذلك من الأمور، حتى يظهر الجد أو الجدة أنه الأقرب إلى الأطفال، والأكثر تفهما لرغباتهم سواء كانوا صغارًا أو مراهقين، من دون إدراك العواقب المترتبة على ذلك.
تصر بعض الجدات على تقديم نصائح لا حصر لها للأم أو الأب حول أساليب التربية السليمة، وإلقاء الدروس والمواعظ مشيرات إلى إنهن ربين أفضل الرجال والنساء، بل لا يتردد البعض منهن في اقتراح، أو إعداد وصفات طبية شعبية ليتناولها الأحفاد عندما يصابون بالمرض في محاولة منهن لإقناع الآباء بعدم جدوى زيارة الطبيب، والاكتفاء بالتداوي بالوصفة التي أعددنها وأعطت نتائج طيبة قبل خمسين عامًا أو أكثر. مثل هذه الأمور وإن كان تصدر عن الجدات، بحسن نية، إلا أنها تتسبب في إثارة النقاش بشكل يرهق أعصاب الآباء والأمهات. ينتقدن أسلوب التربية لاختلاف الزمن ومن المفارقات أن بعض الجدات لا يتوقفن عن عقد مقارنات بين أسلوب تربية الأمس واليوم، في إشارات ضمنية أو صريحة تنتقد أسلوب الوالدين في تربية أبنائهما، وتدعوهما إلى المزيد من الصرامة وعدم تلبية جميع طلبات الأطفال المتعلقة بالملابس أو الألعاب، حتى لا يتعودوا على الحياة الرغيدة، أو تحرضهم على ادخار المال وعدم التبذير، غير مدركات أن أسلوب الحياة قد تغير تمامًا، ولم يعد كما كان من قبل، حيث كانت معظم الأسر تعيش حياة بسيطة لا مجال فيها للكماليات.
وإذا كانت القصص والحكايات التي ترويها الجدات «الأميات» لأحفادهن، مقبولة في الماضي، لأنها تغني خيال الأطفال وتساعدهم على الاسترخاء والاستسلام للنوم، فقد تحولت إلى مصدر إزعاج للوالدين «المثقفين» لأنها تملأ عقول الصغار بالخرافات والأساطير والغيبيات، وقد تؤثر بشكل سلبي، من وجهة نظرهم، على نفسية الأطفال، وعلى تكوين شخصيتهم المستقبلية، فهم يخشون أن يصير أبناؤهم ضعاف الشخصية، مترددين وخائفين، بسبب تلك الحكايات التي كانت تروى لهم في الصغر. وللتخلص من تدخلات الجدات وأمام كل هذه «التحفظات» من قبل الزوجات الشابات، تم اللجوء إلى المربيات في محاولة للتخلص من «سلطة» الجدة.
لكن برزت مشكلات من نوع آخر، مثل انعدام الثقة في المربية التي قد تعامل الأطفال بجفاء وقسوة لأنها لا تشعر تجاههم بعاطفة قوية أو صلة قرابة، وتعتبر العناية بهم مجرد مهنة تتقاضى عنها راتبًا شهريًا، بينما رعاية الأحفاد من طرف الجدة تتم بشكل اختياري وتطوعي. وحتى في الحالات التي تعامل فيها المربية الأطفال معاملة حسنة وحنونة، فإن القلق يبدأ يساور الأم التي تخشى تعلق أطفالها بالمربية، وتصبح مستعدة لطردها من المنزل في أي وقت شاءت رغم تفانيها في العمل وإتقانها لأشغال البيت، وهو الأمر الذي لا يمكن أن تقوم به مع الجدة مهما بدر منها، لاعتبارات عائلية وأخلاقية. فما هو الحل أمام هذه الخيارات الصعبة؟
تؤكد معظم الزوجات أنهن لا يعارضن وجود الجدة داخل البيت لمساعدتهن في الاعتناء بالأطفال، إلا أنهن يضعن شروطًا للقبول بهذا الأمر، من بينها عدم تدخلها في أسلوب تربية الأطفال، أو إبداء الرأي حول الأمور التي لا تعنيها، بدءًا من ساعات نوم الطفل إلى أكله وشربه وطريقة لبسه.
ويؤكدن أن دورها لا ينبغي أن يتعدى مراقبته وملاعبته إلى حين عودة والديه من العمل، وإذا لم تلتزم الجدة بهذه الشروط المقيدة لحرية مشاعرها، يبقى وجودها غير مرغوب فيه، ويصبح التعامل مع المربية أو الخادمة أهون برأيهن، حيث يمكن استبدالها بأخرى في أي وقت من دون تبعات أو مشاكل، بينما عندما يتعلق الأمر بالجدة فإن الأمر قد يتحول إلى فضيحة عائلية.
وضعي في حسبانك مهما كانت طبيعة النصائح التي تسديها لك الجدات ففي النهاية أنت التي ستقومين بتربية طفلك، ولذلك تعلمي أن تكوني صبورة في سماع النصيحة وبعد ذلك يكون لك مطلق الحرية في التصرف وفق ما تشائين. تحلي بالذكاء الاجتماعي وحتى لا تقفي في مهب الريح؛ إليك هذه النصائح:
- لا تأخذي الجانب الدفاعي بمجرد أن تبدأ الجدة بالحديث، بل قد يكون الدافع وراء كلامها اهتمام حقيقي بمصلحة طفلك؛ لذلك استمعي إلى ما تحاول أن تخبرك به، فقد يحتوي كلامها على نصيحة قيمة لم تكوني قد انتبهت إليها في السابق.
- إذا لاحظت عدم جدوى الإقناع فلا تواجهي الجدة وتحاولي تغيير رأيها، وإنما استمعي لما تقول ثم ابتسمي في وجهها دون الخوض في أي تفاصيل، وبعد ذلك قومي بعمل ما تريدين، وبهذا تكونين قد تجنبت أي اصطدام معها وتكونين قد نفذت ما تريدين بنفس الوقت.
- لا تضخمي الأمور للحد الذي يفضي بك إلى الخصام معها واستخدمي ذكاءك الاجتماعي في التعامل مع الموقف ولا تخسريها إطلاقًا.
- في حالة أنك مضطرة لوضع أطفالك عندها، لا تنسي أن تفاجئيها بهدية جميلة من حين لآخر لتقديم نوع من التكريم لها، ولإثبات حسن النية في التعامل معها، وحتى لا تفقدي خط الرجعة إليها مرة أخرى.
- تذكري أنه مهما كانت درجة تداخلاتهن تزعجك بأنهن يحاولن أن يثبتن أنهن مازلن قادرات على العطاء، ويحاولن أن يشعرن أنهن شريكات في المسؤولية.
- ابتعدي أنت وزوجك عن الصدام المباشر، ولا تعلني أمامهن أنك أخطأت يومًا بطلب رعايتهن لأولادك.