الحركة الكشفية.. بدأت قبل أن يعلن عنها
حرصت الشعوب منذ قديم الزمان على تنشئة أبنائها تنشئة تعدهم لأن يكونوا مواطنين نافعين لأنفسهم ولمجتمعاتهم، ولقد كان العرب من أسبق الشعوب إلى العناية بأبنائهم ليشبوا أصحاء أقوياء الأجسام سليمي البنية، وقد ساعدهم في ذلك حياتهم القبلية وتعاملهم مع الصحراء والجبال، ويعتمدون على أنفسهم في جلب رزقهم ويتنقلون من مكان إلى مكان بحثا عن الكلأ والماء، فقد كانوا كشافة بطبيعتهم وعادتهم وتقاليدهم يسترشدون بالنجوم ليلًا وبالشمس نهارًا.
ويقول عدد من الباحثين إن جذور الكشاف قديمة منذ فجر التاريخ، واستعملت لفظة (الكشاف) في عصور إسلامية مختلفة، وإن محمد علي باشا الذي حكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر قد استعمل الكشافة في جيشه، لذلك نرى أن كل ما قام به (بادن باول) عندما أسس الحركة الكشفية في بداية القرن العشرين هو الاستفادة من تجارب الأمم في هذا المجال، فصاغ الحركة الكشفية في تنظيمات وأطر محددة مما أدى إلى نسبتها إليه، وورد في كتاب (الحركة الكشفية عربية الأصول) للشيخ أحمد الشرباصي ما يلي:
(إن العربي منذ فجر التاريخ يعيش في الجزيرة العربية ويحيا حياة كشفية، يقيم بين الوهاد والجبال، يتتبع منابيع الكلأ ويلاحظ النجوم والكواكب، يساير تحركات الشمس والقمر، يحس الإحساس العميق بحركات الرياح والأمطار، يتنبه في تدقيق إلى ما حوله من الحيوانات والطيور والحشرات والنبات مما أدى إلى شهرة العرب في أمور كثيرة كالقيافة والفراسة ودراسة الاختلاج وملاحظة النجوم وتعرف منابت الكلأ وملاحظة الطيور وتتبع الرياح والأمطار ودراسة الحيوانات والحشرات. إذا عدنا إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، فإننا نجد أنه منذ عهد الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، كانت الكشافة نشاطًا يُمارس على أرض الواقع، حيث الخلاء يمتد إلى ما وراء الأُفق، والتخييم عادة عربية أصيلة، وإذا كان جوهر الحركة الكشفية المُعاصرة هو اعتماد النظام السيبرناتيكي Cybernetic System، أي اتباع الطُرق الذاتية في قيادة النفس بالنفس على مُستوى الوحِدة والطليعة، فإن هذا مبدأ سبق إليه الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، والشواهد على ذلك من الكثرة بحيث يصعب حصرها، ومنها أنه كان يأمر أصحابه، أن يتعلَّموا القراءة والكتابة ضمن مجموعات، كما أن كُل أسير من أسرى بدر كان يُعلِّم عشرة..وكان عليه الصلاة والسلام، يغرس في أصحابه، عندما يذهبون في مُهمَّة، ضمن جماعة صغيرة، أن ينتخبوا من بينهم أميرًا، أليس هذا من مبادئ الكشافة الآن..؟!
وإذا كان بادن باول قد بدأ في تطبيق فكرته لأوَّل مرة عندما حوصر في (مافكينغ)، فإن الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، كان يُنفِّذ ذلك بالفعل، حيث كان يُرسل الطلائع، لرصد تحرُّكات المشركين، ونجح بشباب الأُمة، في اختراق حصار اقتصادي خانق فرضه المُشركون عليه.
كما كان يستخدم «الشـيـفرة»، عن طريق تبادل كلمات وحروف، لا يُدرك مدلولها سواه، ومن أرسله في مُهمَّة سرية، ولعل ما حدث إبان غزوة الخندق، مثالًا دامغــــًا على ذلك، فحين تجمَّعت قوات المُشركين، وبدؤوا يفرضون حصارًا على المدينة المنورة، إذ بخبر عاجل، يرد إليه، مفاده: أن العهد الذي أُبرم مع بني قريظة، والذي ينصُّ على التعايش السلمي، بين المسلمين واليهود، في المدينة، كان قد نُقِض بعد مُباحثات جرت في الخفاء بين أحد قادة اليهود ويُدعى حيي بن أخطب النضري وبين المُشركين، فأراد الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الـتأكُّد من صحة هذا الخبر، وأرسل سعد بن معاذ بن النعمان وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عُبادة وهو يومئذ سيد الخزرج، وبصُحبتهما خوات بن جبير، وعبدالله بن رواحة، قائلًا لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا..؟! فإن كان حقـــــًا فالحنوا لي لحنــــًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس، ولمَّا تأكَّدوا من صِحة الخبر، عادوا إلى الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وألقوا السلام، ثم قالوا: «عضل والقارة»، وهذه شيفرة لغوية، فهمها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وأدرك غدر اليهود، كما غدر من قبل عضل والقارة، بأصحاب الرجيع.
وبحسب ما أكدته المصادر التأريخية، فإن العرب الأوائل، كانوا على دراية باستكشاف منابع المياه، وتقصِّي الأثر، وعمليات الإغاثة، والتعامل مع المخاطر، كاندلاع النيران ونحوها، وإن هذه الدراية صارت أكثر تطوُّرًا، في ظل الحضارة الإسلامية.
قبائل الزولو
عرف عن قبائل الزولو بجنوب إفريقيا أنه متى بلغ الفتى سن الخامسة عشرة يجردونه من ثيابه ويطلوا جسمه بطلاء خاص لا يزول إلا بعد ثلاثين يومًا، ثم يقلد ترسًا ورمحًا ثم يؤمر بمغادرة القرية إلى داخل الغابة ولا يعود منها إلابعد مضي هذا الشهر، وإن عاد قبل مضي الشهر يحكم عليه بالموت ويقتل لأنه لا يصلح للحياة، ولذلك فإن عليه أن يعيش الشهر كاملًا بين أدغال الغابة وأحراشها بين الفهود والنمور والسباع والفيلة والذئاب والثعابين، وإن عليه أن يعتمد على نفسه في تحصيل قوته من نباتها ومما يصطاده، وأن يدافع عن نفسه، وأن يعتمد على نفسه في البقاء حيًا، فان استطاع مغالبة الصعاب والمشاق وخرج من الغابة حيًا بعد قضاء الثلاثين يومًا تستقبله قبيلته استقبال البواسل ويرحبون به ترحيب الفارس المقدام، ويقلدونه سيف الفروسية ويطلقون عليه لقب فارس القبيلة.
الهنود الحمر
في كندا، لقد أتيح للورد (بادن باول) وهو مؤسس الحركة الكشفية في العالم أن يرى في الهنود الحمر نظامًا ربما كان أقرب الأنظمة إلى نظام الكشافة الحالي، وذلك عندما زار صديقه السير(توماس ستون) الذي كان مديرًا لإحدى شركات قطع الأخشاب في كندا، فقد لاحظ هناك الفرق الشاسع بين أولاد الهنود الحمر وأولاد الجاليات الأجنبية، حيث إن الهنود الحمر كانوا يدربون أولادهم على اختراق الفيافي والبحث عن الطرق في الغابات الكثيفة والأحراش المخفية والاهتداء في الليالي المظلمة وتتبع أثار الإنسان والحيوان بالإضافة إلى فنون التخاطب بالإشارة وإجادة فن الحيل والاختفاء...
بينما كان أولاد الجاليات الأجنبية يتناقصون عامًا بعد عام بسب أن عددًا كبيرًا منهم كان يضل طريقه في الغابة ولا يستطيع العودة، كما كان يتفشى بينهم أمراض كثيرة، وكان يبدو عليهم الضعف والعجز، ولم يتمكنوا من مجاراة أولاد الهنود الحمر، وقد شاهد بادن باول هذا النظام فأعجب به كثيرًا، وتكونت لديه فكرة تكوين منهاج كشفي تربوي لتنمية القدرات والمواهب وإعداد الفتيان لمواجهة الحياة.
موقعة مفكنج
كان بادن باول ضابطًا في الجيش الإنجليزي، وأتيحت له الفرصة لتطبيق هذا النظام عمليًا حين حاصرت قبائل البوير هذه المدينة ولم يكن بها غير حامية قليلة العدد تحت قيادته، وكانت حدود المدينة مترامية الأطراف يصعب الدفاع عنها... وقد فكر في جمع فتيان المدينة وشبابها ودربهم على الإسعاف والطهي وإرسال الرسائل وغيرها من أعمال الدفاع المدني واستطاع هؤلاء الأطفال أن يحلوا محل الجنود الذين كانوا مكلفين بالخدمات، وبذلك أتيح للحامية أن تشترك جميعًا في القتال وتمكن بادن باول من رفع الحصار عن المدينة وذلك بفضل ما بذله الصغار من أعمال جليلة.