مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
نوته
ثرثرة
أنا والفشل
ملف العدد
أصوات
تربية خاصة
ميادين
مكتبة
شخصيات
تقارير
موهبة
رؤية
 
 

أنا والفشل
زولي: فشلت أن أطرح رأيي أمام معلمي وأصدقائي
بقلم :   إبراهيم زولي   2013-12-17 14 /2 /1435  

إذا كان النجاح يشبه هلال القرى, فإن الفشل ظلمة حالكة وندبة في جسد العمر, وهاوية تتجهّم قبالتك, أن تقف ساردًا لحكايات التعثر والفشل في حياتك فذلك يشبه جلد الذات علنًا أمام الناس, ومن لا يعرف محطّات الفشل في حياته فهو حتمًا لم يذق حلاوة النجاح, أضف إلى ذلك أن الإنسان الذي لا يفشل هو الإنسان الذي لا يعمل, ولا يحثّ الخطى صوب الضوء, ولا يعقد حلفًا وثيقًا مع المستقبل.

مما أتذكره أنني كنت لا أحسن كتابة سن الضاد, وأحررها درداء. تأكدت أن للتعليم دورًا رئيسًا في ذلك, وإذا كان التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما نردد دائمًا, فإن للعبارة وجهًا آخر ينبغي قراءته؛ فما نوعية التعليم الذي كنا نتلقّاه, وعلى يد من؟

إن كان ما تلقّيناه مدجّجًا بالأخطاء وسوء الفهم, وإذا تمّ تلقيه كذلك ممن ليسوا مؤهّلين, فإنه بالضرورة سينتج آفة كبيرة ومرضًا مزمنًا اسمه الجهل, هذا ما نسميه بالأمية الثقافية, زدْ عليهم زهاء مئة مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة, بما يعادل ثلث الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

في المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود, قضيت مرحلة المتوسطة والثانوية, فشلت أنْ أكون ابنًا بارًّا لكثير من الحشو المنهجي الذي كان لايؤمن سوى برؤية واحدة وقول واحد. في الوقت الذي كنا نقرأ في شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك آراء النحاة من كوفيين وبصريين.

نعم فشلت أن أطرح رأيي أمام معلميّ وأصدقائي في تلك الفترة, ذلك أن قولاً مخالفًا لما هو سائد آنذاك يعرضك لتهم شنيعة, ودسّ خفيّ في سلوكك وأخلاقك.

هذا الفشل في طرح رأي مختلف عما هو سائد, أدّى لفشل آخر هو عدم ظهوري في النشاطات الثقافية والمسرحية, وحرماني من قول خربشاتي وكتاباتي الأولى ضمن النشاطات المنبرية في المدرسة آنذاك.

استذكار الفشل له طعم حامض في الفم, وشحوب في الوجه واليد واللسان.

غالبًا ما يكون الفشل رافعة جيّدة للصعود لآفاق النجاح, وذلك ما حدث بعد شهور قليلة من خروجي من المعهد العلمي, إذ شاركت ممثلاً للمملكة شعريًا في مهرجانين أحدهما خليجي والآخر عربي.

كانت المرحلة ضبابية وملتبسة, ولم يكن لأحد آنذاك أن يكون له صوت خارج السرب.

هذا التعليم المختلف والمناهج المختلفة بين مؤسسة وأخرى أدّى لرؤى وتصورات مختلفة لأجيال متعاقبة, وكان عندنا نموذجان من الطلبة بنظرتين للمستقبل تختلف إحداهما عن الأخرى.

الطلاب الذين كانوا أصدقاءنا وإخواننا في مؤسسات التعليم العام كانوا لا يشبهوننا في فرحهم وفي ألعابهم, ولا حتى في أناشيدهم التي يردّدونها, نحن أبناء المعاهد العلمية في تلك الفترة الحساسة والدقيقة من تاريخنا المعرفي في حقل التعليم, أتحدث عن مرحلة بداية الثمانينيات الميلادية من القرن الفائت.

مرحلة كانت تضخّ في عقولنا, وتكرّس في ذاكرتنا كل الفكر الصحوي بحمولاته الإيديولوجية, وهو وعي بالضرورة تناسل مع الأجيال المتلاحقة, وأعاد فيما بعد إنتاج نفسه وفكره في صور شتى.

مرحلة كانت تحاصر فينا التفكير والاجتهاد وحتى الإبداع داخل أسوار المدرسة, غير أنني كنت أخرج من ذلك وأذهب لقراءة الروايات العالمية, ديستويفسكي وتشيخوف ووليم فوكنر, وأقرأ لكثير من المفكرين العرب أمثال محمد أركون والجابري وعبد الله العروي, وشعراء كسعدي ودرويش، وكانت الساحة الثقافية صاخبة بجدل نقدي خلاّق على صفحات ملحق الأربعاء وصحيفة الندوة وملحق أصداء الكلمة في عكاظ, وأدركت أن في تراثنا العربي والإسلامي فكرًا نيّرًا يومن بالاختلاف, وأصبحت مقولة محمد بن إدريس الشافعي: رأيكم خطأ يحتمل الصواب, ورأيي صواب يحتمل الخطأ. غدت مقولة مثل هذه وسواها شعارًا وأيقونة في مرحلة من مراحل حياتي.

أعتقد أن مراجعة فكرية ونقدية لتلك المرحلة من تاريخنا المعاصر باتت ضرورة ملحّة لمعرفة أين كنا, وماذا أصبحنا.

أدرك جيّدًا أن الكثير من شباب هذه المرحلة, وهم يعيشون هذا الانفتاح الفكري والثقافي لا يعلمون كثيرًا عن ظروف وسياقات تلك المرحلة, والتي تجاوزناها جميعًا في عهد خادم الحرمين الشريفين رائد الإصلاح الأول وعراب حوار الأديان والداعي للحوار الوطني.

أقول إنّ الكثير من أبناء المرحلة الحالية لا يعرفون ذلك, لكن للتاريخ دروس وعبر, والجروح يطهّرها الكي.

عندما أتحدث مع طلابي أن جيلاً سابقًا كان يرى التصفيق حرامًا, وأن اليوم الوطني كان يمرّ كباقي الأيام, ولا يعرفه إلا معلمو اللغة العربية كموضوع يحضر على استحياء في مادة التعبير, يضحكون كثيرًا, يفعلون ذلك وعيونهم على هواتفهم الذكيّة.

نعم فشلت, وفشل معي جيل كامل كان يريد أن يؤسس لمجتمع يؤمن بالحوار, مجتمع لا يرى الآخر عدوًا لمجرد اختلاف الرأي.

آنذاك كان التفكير خارج الصندوق يعتبر ضربًا من المغامرة التي لايمكن معرفة عواقبها؛ عواقب قد تمسّك حتى في أكثر أشيائك حميمية وألفة.

المضحك والمبكي في آن واحد, أن بعضهم في تلك الفترة كان يرى أن مجرد كتابة قصيدة على نمط التفعيلة, خروج على النص ونواميس الكون.

وظهر ما سمّي بالشعر الإسلامي ضمن رؤية ضيّقة وأفق محدود, وهم بذلك كأنما يروّجون لأدب مسيحي وأدب يهودي وهلمّ جرّا,

بالمقابل فإن هذه المرحلة من التجاذب والاستقطاب أسّست لجيل مؤسّس نظريًا, جيل تعلم أن يقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل, وعلمنا أن في تراثنا صورًا شتّى مضيئة, وأقوالاً وليس قول واحد, ورؤى وليست رؤيا واحدة. تعدّد خلاق وغنيّ, هو معادل رمزي لغنى وعظمة ديننا الإسلامي الذي أرادوا أن يعتقلوه في زاوية صغيرة, زاوية كانوا يعيشون فيها وحدهم.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية