مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
سبورة
ثرثرة
وجهة نظر
تقارير
ملف العدد
حاسوب
التعليم من حولنا
ترجمات
مقال
رياضة
آفاق
حوار
ميادين
يونسكو
الحدث
رؤية
 
 

ملف العدد
جدار الصمت التحرشات والاعتداءات الجنسية على الأطفال في المدارس
بقلم :   أسامة أمين   2014-02-23 23 /4 /1435  

ربما رفض البعض مجرد مناقشة موضوع التحرشات والاعتداءات الجنسية على الأطفال في المدارس، باعتبار أن ذلك قد يثير البلبلة، ويجعل اهتمامات الطلاب وأولياء الأمور تتجه إلى التفكير في إمكانية حدوث ذلك في المدرسة، وما يعنيه ذلك من خدش الصورة المثالية التي وضعوها في أذهانهم لهذه النخبة من المجتمع، ويتساءل: هل يجوز التشكيك فيمن قيل عنه: «كاد المعلم أن يكون رسولا»؟

لابد من الاتفاق منذ البداية على أن طرح هذه المسألة، لا ينطوي على أي اتهام أو تشكيك في طبقة المعلمين، لكنه في الوقت ذاته لا ينطلق من أن المعلمين والمعلمات ملائكة يمشون على الأرض، كما أن رجال الدين ليسوا رسلاً أو أنبياء، وكما أن السياسيين ليسوا بشرًا فوق البشر، وكما أن الصحفيين ليسوا جميعًا أصحاب قيم ومبادئ. كلنا بشر، بيننا غالبية من الأسوياء، وبيننا أقلية فاسدة، وكلما أسرعنا في كشف العناصر الفاسدة، بقي الثوب ناصع البياض بدون بقع سوداء تشوهه.

وإذا صدقنا مع أنفسنا تذكرنا مواقف كثيرة في حياتنا المدرسية، تثبت أن التحرشات والاعتداءات الجنسية لا تقع في كوكب آخر، ولا تقتصر على مدارس الدول الغربية فحسب، خاصة إذا فهمنا أن القضية لا تبدأ من الاعتداء الجنسي، بل تسبق ذلك بكثير جدًا، كما سيتضح من السطور القادمة.

 

جدار الصمت

تشير الإحصائيات الأوروبية إلى أن واحدة من كل أربع فتيات، وواحدًا من كل ثمانية صبيان، يتعرضون في طفولتهم أو شبابهم إلى اعتداء جنسي، فهل الأوضاع في مجتمعاتنا العربية أفضل من ذلك، أم أننا قررنا جميعًا أن نتستر على الجناة، ونكتم أصوات الضحايا؟ هل قررنا أن نرسم صورة زائفة لمدينة فاضلة، حتى لو تسبب هذا الصمت في تحمل الضحايا آلامًا نفسية وربما بدنية لا تطاق؟

تقول التجارب التي قامت بها الولايات المتحدة وهولندا، أن التخلص من جدار الصمت حول التحرشات والاعتداءات الجنسية، هو الذي يجعل الضحايا يتجرؤون على البوح بما وقع لهم، وأن يتخلصوا من الخوف الذي أسكتهم ربما لسنوات طويلة، وخاصة أن ما ينتظرهم من عواقب البوح بما حدث، لا يقل مرارة وألمًا عما وقع لهم من قبل، فغالبًا ما ينكر المعلم التهمة، ويبدأ في التشكيك في أقوالهم، وغالبًا ما يتضامن معه بقية أعضاء هيئة التدريس، وكذلك إدارة المدرسة التي لا تريد أن تتعرض سمعتها لأي سوء، حتى الزملاء من الطلاب، سيخافون من المواجهة، ويتخلون عن زميلهم، وليس من المستبعد أن يشكك أولياء الأمور أنفسهم في اتهامات أبنائهم، وفجأة يجد الضحية نفسه متهمًا باختلاق الأكاذيب والإساءة لسمعة شخص شريف، مما يجعله مكروهًا من الجميع وهدفًا للانتقادات والسخرية والعقاب.

تؤكد الدراسات الكثيرة في هذا الشأن أن الأطفال والشباب لا يكذبون إلا نادرًا، عندما يتعلق الأمر بالتحرشات أو الاعتداءات الجنسية، ربما يكون عرضهم للأمر مختلفًا عما يقوله المعلم المتهم، لكنهم غالبًا ما يكونوا صادقين، ولكن من الضروري التأكيد لهم أهمية أن يفصلوا في كلامهم بين ما وقع لهم شخصيًا، وبين ما ينقلوه عن الآخرين دون أن يكونوا شهودًا عليه.

دوافع الصمت كثيرة منها الخوف، بعضهم يشعر بأن الجاني قد يقتله أو يعذبه أو يتسبب في رسوبه، بعضهم يشعر أنه مشارك في الخطيئة، وأنه يتحمل جزءًا من المسؤولية، إما لأن ما وقع له كان عقابًا له على سوء تصرفاته، أو لأنه أحب الجاني ووثق فيه أكثر من اللازم، أو لأنه لم يصرخ أو يعترض عند حدوث ذلك، أو لأن وقت الإبلاغ عن الواقعة فات، بعد أن مرت أيام أو شهور أو حتى سنوات.

 

استراتيجية الجاني

 يشير المتخصصون في دراسات التحرش الجنسي إلى أن الجاني لا يفعل ذلك سهوًا أو بدون قصد، بل يخطط لذلك جيدًا، ويحرص على التدرج خطوة وراء خطوة، حتى يصل إلى هدفه، وغالبًا ما يبدأ بالتقرب إلى الضحية، ويظهر له اهتمامًا خاصًا، بحيث يشعر الطالب أن هذا المعلم هو أقرب الناس إليه، وأنه الوحيد القادر على فهمه، والذي يمكنه أن ينتشله من أزماته، ويبدأ الجاني في التحدث معه وكأنه صديق له من نفس عمره، ويزيل الكلفة بينهما، ويشترط عليه أن تكون هذه العلاقة الخاصة بينهما سرًا لا يعرفها سواهما.

في المرحلة التالية يقوم الجاني بحركات ليست مباشرة، بحيث يمكن تأويلها بحسن نية على أنها لم تكن مقصودة، وبتلميحات متعددة المعاني، فإذا لم يصدر من الطالب رد فعل عنيف، وواضح الدلالة بالرفض والاستياء بسبب احترامه للجاني وخوفه من أن يغضبه، تبدأ التصرفات واضحة الدلالة.

في المدارس الأوروبية، والتي تكون في الغالب مختلطة الجنسين في جميع المراحل الدراسية، يقوم معلمون بتدريس فتيات، وتقوم معلمات بتدريس فتيان، تقع بعض الحوادث التي تستدعي تدخل إدارة المدرسة، حتى ولو لم تكن تمثل مشكلة من الناحية القانونية، فأي تعليقات لمعلم التربية الرياضية عن جسم الفتيات، أثناء قيامهن بالتمارين، أو أي تركيز بنظراته على أجسادهن، أو أي استخدام لتعبيرات تتضمن إيحاءات جنسية، أو لمس لأجسادهن، حتى لو تعلق الأمر بالربت على أكتافهن، أو أي عرض من المعلم لطلابه أو طالباته باستعداده للمساعدة الدراسية مجانًا، بشرط أن يأتي الطالب إلى منزله، أو إغلاق المعلم باب الصف عند وجود طالب واحد أو طالبة واحدة معه، أو أن يخص طالبًا أو طالبة بدعوة على العشاء في مطعم بمفردهما، كل هذه التصرفات ممنوعة، ومن يقم بها يعرض نفسه للمساءلة، لأنها تفتح الباب على علاقة خاصة بين المعلم والطالب، تتناقض مع العلاقة السليمة.

ورغم اختلاف الثقافات، ووجود سلوكيات مقبولة في مجتمعاتنا العربية لا تجد غضاضة في أن تقوم المعلمة باحتضان طالبتها، أو أن يقوم المعلم بتقبيل الطالب، فإنه من الواجب السؤال عن تأثير هذه السلوكيات النابعة من شعور الأبوة أو الأمومة، على العلاقة بين الجانبين، فالأصل في علاقة المعلم أو المعلمة بالطالب أو الطالبة أنها ليست علاقة أبوة أو أمومة أو صداقة أو أخوة، ولعل بقاء العلاقة في إطارها الأصلي، معلم وطالب بينهما مسافة فاصلة، أفضل بكثير من إزالة الحواجز وصعوبة إعادتها من جديد.

 

كيف تتصرف إدارة المدرسة

لا يجوز أن يكون رد الفعل الأول لإدارة المدرسة هو تكذيب الطالب ومحاولة التأثير عليه، كما لا ينبغي اعتبار المعلم مجرمًا قد ثبتت إدانته، ومحاولة التخلص منه بأسرع ما يمكن، كما يجب التعامل مع الأمر بحرص شديد وتكتم، بحيث لا تنتشر الأقاويل، وتلوكها الألسن لتصل إلى كل المعلمين وأولياء الأمور، بل ربما إلى وسائل الإعلام المحلية قبل التثبت من أي شيء.

تنص تعليمات وزارات التعليم في العديد من الدول الأوروبية، على أن تسعى إدارة المدرسة إلى التعاون مع الجهات المعنية بالتحرشات والاعتداءات الجنسية قبل أن تقع أي حادثة من هذا النوع، بحيث تتوفر للإدارة المدرسية المعلومات والخبرة في كيفية التعامل مع ذلك دون أن تكون واقعة تحت ضغط الموقف الملتهب.

كذلك تنص هذه التعليمات على أن تشمل الدراسة الجامعية للمعلمين والمعلمات الجوانب التربوية والقانونية والنفسية والاجتماعية المرتبطة بالتحرشات والاعتداءات الجنسية، بحيث يكون عضو هيئة التدريس على دراية كاملة بالأمر، ويدرك عواقب كل تصرف، وكيفية التعرف على التغيرات التي يشهدها على سلوك طلابه وأسبابها المحتملة.

وغالبًا ما يكون في كل مدرسة معلم أو معلمة من ذوي الاختصاص في ذلك، بعد الحصول على دورات تكميلية تساعد في فهم ما يشعر به الطالب الضحية والمعلم المتهم، وتعرف جيدًا كيفية حماية الطفل في هذه الحالة، والجهات التي يلزم التواصل معها من دائرة الشؤون الاجتماعية، والجهات الطبية والقانونية المعنية، وقبل كل ذلك الاتصال بالجهة المختصة في سلطات التعليم المسؤولة عن المدرسة.

ولابد أن تكون إدارة المدرسة على علم بأنها ليست بديلاً عن سلطات التحقيق القانونية، بل مهمتها أن تعرف كيفية التصرف بطريقة تربوية مع هذا الموقف، وأنها ملزمة بمتابعة كل شكوى بهذا الشأن، ولا يجوز لها أن تتجاهلها بدعوى الحفاظ على السمعة، بل يجب أن تستمتع لأقوال الطالب أو الطالبة، ويفضل أن يكون ذلك في وجود معلم أو معلمة موضع ثقة من الضحية، ويجب إبلاغ ولي الأمر، بل ويجب عقد اجتماع لهيئة التدريس وربما أيضًا لأولياء الأمور، إذا ذاع الأمر وأصبح معروفًا، فيجب توضيح الحقائق بدلاً من انتشار الشائعات.

 

قوانين وعقوبات

تفرِّق القوانين الأوروبية بين ثلاث مراحل عمرية للطلاب: أقل من 14 سنة، وأقل من 16 سنة، وأقل من 18 عامًا، وكلما قل سن الضحية زادت المحظورات، وفي الغالب تتراوح العقوبة بين ستة أشهر وعشر سنوات من السجن، وفي حالات تكرار الفعل، لا يجوز أن تقل العقوبة عن عام من السجن، ولا تقتصر العقوبات على الاعتداءات الجنسية، بل مجرد المحاولة تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.

وتنطلق العقوبات من وجود علاقة بين طرفين أحدهما أقوى من الآخر، فهو يملك قوة منح العلامات، ويتمتع بقوة مركزه الذي يفرض على الطالب طاعته، علاوة على قوته البدنية والفارق في العمر، وقبل كل ذلك أنه مؤتمن من الأهل والدولة على حماية الطالب من المخاطر والمشاركة في تربيته، فإذا قام بأي تحرش أو اعتداء جنسي فإنه خان الأمانة، وهدم الثقة التي وضعها الأهل والمجتمع فيه، ودمر مصداقية المؤسسة التعليمية.

ولعل كل هذه الأسباب هي التي تبرر اتخاذ إجراءات عقابية على المعلم الذي يرتكب أي مخالفة من هذا النوع، حتى ولو كانت لا تمثل مخالفة للقانون، لكنها تتناقض بالتأكيد مع القيم التربوية والتعليمية، وإذا تأكد حدوث ذلك، فإنه لابد من التأكد من عدم تكرار الأمر، فإذا كانت المخالفة عبارة عن تعليقات سخيفة ذات دلالات عديدة، بعضها جنسي، وأمكن التوصل إلى اتفاق بين المعلم وبين الطلاب أو الطالبات بقبولهم ببقاء المعلم بشرط عدم تكرار ذلك، فإن أي مخالفة جديدة من جانب نفس المعلم، يجب التعامل معها بالحزم اللازم، حتى لو بلغ الأمر فصل المعلم من وظيفته، أو انتقاله إلى عمل إداري بعيدًا عن الطلاب، لأن أي تهاون في ذلك سيمثل رسالة إلى كل ضعاف النفوس بأن الأمر سيمر بسلام ودون عقاب رادع.

ولعل البعض يذكر الكشف في السنوات الأخيرة عن فضيحة اعتداءات جنسية قام بها رجال دين ومعلمون في مدارس داخلية تابعة للكنيسة الكاثوليكية، وبعد مرحلة الإنكار ثم التعلل بأن هذه الأحداث وقعت قبل سنوات طويلة، وأن الضحايا قد تأخروا سنوات في الإبلاغ عن ذلك، فإن الضغوط الإعلامية والشعبية أجبرت الكنيسة على الاعتراف بالمسؤولية، وتخصيص صندوق لتمويل التعويضات للضحايا الذين يعاني غالبيتهم من مشاكل نفسية وعضوية.

 

الخروج إلى النور

من أهم وسائل الوقاية من وقوع هذه الحوادث، أن تكون هناك دورات لكل أعضاء هيئة التدريس حول هذا الموضوع، وكذلك ندوات يحضرها أولياء الأمور، يلقيها متخصصون في مسألة التحرشات والاعتداءات الجنسية، كما يحصل الطلاب والطالبات على دروس لمناقشة ذلك، بحيث يكون الجميع على اطلاع بكافة الجوانب.

ومن الضروري أن تقيم المدرسة دورات للطلاب والطالبات لزيادة الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير عن آرائهم، والإفصاح عن الرفض، وتعليمهم أن من حقهم الحفاظ على أجسادهم، وأن من لا يفهم كلمة (لا)، فمن حقهم أن يلجؤوا لرفع الصوت والصراخ، والدفع باليد، بل والضرب، للتخلص من الموقف، سواء تعلق الأمر بمعلم أو بحارس المدرسة أو بالإدارة.

يجب أن تسعى المدرسة إلى ترسيخ ثقافة الحوار والنقاش، بحيث يتعلم الطالب كيفية التعبير عن أفكاره وآرائه، وكل مشاكله بطريقة مقنعة، وبثقة في النفس، لا تهزمها أي تهديدات أو مخاوف، وأن يكون على يقين بأن إدارة المدرسة وبقية الهيئة التدريسية، لن تكون خصمًا وعدوًا له لأنه تجرأ على كشف ما قام به زميل لهم.

وفي نفس الوقت لا يجوز إدانة المعلم بدون التأكد واليقين من ارتكابه مخالفة بهذا الشأن، ولا ينبغي الاتصال فورًا بالشرطة، لتقوم بإلقاء القبض على المعلم أمام الجميع، والتسبب في تدمير سمعته، قبل استيضاح الأمر ومعرفة ما وقع فعلاً، ثم إبلاغ الجهة المعنية في سلطات التعليم، لتقوم بدورها باتخاذ القرار المناسب.

حماية الطالب أو الطالبة يقتضي أن ينتبه الجميع لما يحدث حولهم، وكل العاملين في المدرسة مسؤولون عن الحفاظ عليهم من مدير المدرسة إلى حارس المبنى، ولذلك فإن تعيين أي شخص في المدرسة لابد أن يسبقه الحصول على صحيفة الحالة الجنائية التفصيلية، التي تتضمن أي مخالفات مهما بعدت الفترة الزمنية، وعدم منح المعلم شهادة حسن سير وسلوك إذا لم يكن ذلك مطابقًا للحقيقة، لأن وقوع أي تحرش أو اعتداء جنسي يهز مكانة المؤسسة كلها، ويجعل الطالب يفقد الثقة فيها، بل ربما في المجتمع كله.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية