مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
سبورة
ثرثرة
وجهة نظر
تقارير
ملف العدد
حاسوب
التعليم من حولنا
ترجمات
مقال
رياضة
آفاق
حوار
ميادين
يونسكو
الحدث
رؤية
 
 

ميادين
على غرار مشروع «أبولّو» الأمريكي إرسال سعودي إلى المريخ
  2014-02-23 23 /4 /1435  

د.هشام عبد الجواد القرعان(1)

د.أحمد الصقيه(2)

د.عمر بن عبدالعزيز السيف(3)

 

تواجه المملكة العربية السعودية تحديات مستقبلية عظمى تتمحور حول تنويع اقتصادها المعتمد اعتمادًا شبه تام على إيرادات النفط. ويضاعف من مصيرية هذه التحديات تصدر المملكة في العقدين الأخيرين لقيادة العالم العربي والإسلامي وقبول العالم لهذا الدور. وهناك إجماع بين جميع المؤسسات التخطيطية في المملكة، أن القاسم الأعظم في مواجهة كل هذه التحديات يكمن في استغلال عائدات الثروة البترولية في بناء ثروة إنسانية رائدة، تكون عماد مجتمع متقدم يبنى على الإبداع والتصنيع في جميع مجالات التقنية بدءًا بتحلية الماء والزراعة والطب، ومرورًا بتقنيات الاتصالات والمعلومات، وانتهاء بتقنيات الخدمات وفروع مختلف الفنون والأدب، وبحيث يكون الهدف المتوخَّى رفع مستوى معيشة المواطن وثروته وأمنه عن طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي والقدرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي. والتقدم في كل هذه المجالات لن يحدث بدون جعل أزمة التعليم القضية الأولى لكل مواطن في المملكة.

شرعيًّا كانت دراسة بعض العلوم في السابق فرض كفاية، ولكن تجلّي خطرها الشديد في حياة الأمم وتقدمها من نواحي المنعة والاقتصاد والصحة والأمن في القرنين الماضيين  - ودون تقول على أهل الفتيا ـ  قد يرقى تعلمها وأهميتها إلى ما يقارب فروض العين، وذلك من منطلق أن المتعلم يجب أن يكون ملمًّا بالكثير من فنون التكنولوجيا والعلوم، وضرورة دفع أكبر عدد ممكن منهم إلى التخصص في مختلف مشارب هذه العلوم.

يعتمد المشروع على فكرة أنّ التقدّم في العلوم الطبيعيّة لا يمكن بحال من الأحوال أن يتحقّق بمعزل عن العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة وعن الفنون والآداب،والاعتقاد بأن التقدم سيتحقق  مع إهمالها.

أوروبا الحديثة لم تنهض إلا بتطور علمي شامل، ولا تزال الولايات المتحدة تدعم الطلاب والباحثين في حقول الدراسات الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تركّز على الإنسان ومجتمعه نفسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا ولغويًّا وعلميًّا.

وجهود المملكة في تطوير تعليم الرياضيات والعلوم بدأت حين تم تدشين مشروع الرياضيات والعلوم المطورة، وحقق ذلك تحولاً مأمولاً  نحو مجتمع معرفي، ولكن في الأداء العام تتخلف كثيراً عما يُخَططُ له، فما تزال المملكة العربية السعودية في مرتبات متأخرة في التصنيفات العالمية للرياضيات والعلوم، إذ أن أداء طلابنا جاء بعد أداء طلاب دول فقيرة يبلغ مستوى تمويل التعليم فيها أقلّ كثيرًا مما تبذله المملكة في هذا المجال(4). وعلى الرغم من حرص المملكة البالغ على صوغ عقل الباحث العلمي ودعمها هذا التبني سواء بالمشروعات الوزارية المخصصة لذلك، مثل أولمبياد إبداع الذي يستهدف نشر ثقافة البحث العلمي والابتكار، أو من خلال توظيف استراتيجية حل المشكلات ودمج مهارات التفكير في مقررات التدريس، إلا أنها لم تقطع بعد الشوط المأمول في عدد نشرات علمائها ووقع هذه النشرات في الأدبيات العالمية.

وتتجلى مظاهر فشل التعليم العام والخاص في انتشار ما يسمى ببرامج «سنة الإعداد الجامعي» التي أصبحت بوابة القبول للجامعات لنسب عالية من الطلاب لعدم استيفائهم لمتطلبات القبول. في بداياتها كان الهدف المعلن من هذه البرامج هو زيادة استعداد الطلاب المنتسبين لكليات الطب والهندسة والعلوم لتعلم المواد العلمية باللغة الإنكليزية، إلا أن دور هذه البرامج توسع بسبب الحاجة الماسة لرفع مستوياتهم في الرياضيات ومختلف موضوعات العلوم الطبيعية والإنسانيّة وأسس التفكير. وظاهرة الانتشار الواسع لهذه البرامج ليست إلا إقرارًا بأن التعليم العام لم يحقق الوصول إلى تخريج الطالب المؤهل  تأهيلاً شاملاً للدراسة الجامعية. وتكلف هذه البرامج الدولة والجامعات بلايين الريالات، كما أن تكلفتها للطالب وذويه تتعدى التكلفة المادية إلى التكلفة الزمنية التي تستهلك من حياة الطالب سنوات دراسية بلا فائدة، ثم سنة إضافيّة لإصلاح جانب من الخلل. ومن تجربتنا التربويّة في السلك الجامعي نجد أن الفائدة المرجوة من هذه البرامج لا تتحقق أيضًا، ذلك أن ما لم يحققه النظام التعليمي في اثني عشر عامًا لا يمكن تحقيقه في عام أو اثنين في مؤسسات الإعداد الجامعي، وقد وجدنا أن ضعف الالتزام والانضباط بالدراسة يكونان قد طبعا في نفس الطالب وتمكنا منها، وأن أداءه العلمي الجامعي لا يتحسن بالانتساب إلى سنة الإعداد الجامعي إلا فيما ندر.

هناك الكثير من المقترحات لحل هذه المشكلة المستعصية، ونقرُّ أن لكلّ منها جدواه وصحته، ولكن هذه الحلول إما أنها تتجاهل أو تقصر في معالجة المشكلة الأساسية التي نرى أنها تتأصل في غياب تركيز نظامنا التعليمي على تحفيز الطلاب لبذل أقصى الجهد والتمادي في تحصيل العلم، ويقسم الحافز لتحصيل العلم إلى قسمين: الحافز الذاتي، والحافز البيئي، بتداخل معقد بينهما. وينبع الحافز الذاتي من فضول الإنسان الفطري، وتشوق العقل بغريزته لمعرفة المجهول وقهر العقبات لإيجاد الحلول الفكرية والتقنية التي تتحدانا بها بيئتنا على الأرض، ثم من رغبة الفرد الفطرية أيضًا في التميز عن الآخرين. أما الحافز البيئي فإنه يتطبع في الفرد من توجهات وحاجات المجتمع الاقتصادية والفكرية والدينية. وقد وجدت الدراسات العلمية(5) أن محاولة تقوية الحافز على الإبداع والقيام بالنشاط الفكري عن طريق دفع الحافز البيئي يكون لها تأثير سلبي على الحافز الذاتي في الكثير من الحالات وربما معظمها، وتستنتج هذه الدراسات أنه يجب مراعاة الحذر الشديد والبراعة في تطبيق الحوافز البيئية على الفرد لتجنب هدم الحوافز الذاتية والفطرية، فمثلا يتعلم معظم الآباء مع الزمن أن تكرار الحث الخطابي على أبنائهم ونصحهم وإرشادهم لا يؤدي في الغالب إلى أي نتيجة، وأنه قد يزيد من الضغط النفسي على الطفل مما يؤدي إلى نتائج معكوسة. ومن أجل معالجة هذه المشكلة؛ نرى أن خلق هدف علمي سامٍ في نفوس طلابنا، يطبع في نفوسهم ويطلق عنان فضولهم؛ سيشيد حلاً شبه مثالي لمعالجة مشكلة غياب الحافز على التعلم والتميز في التعليم، فالحل الذي نقترح يتجنب الحث والتدخل المباشر في نفسية الطالب، ولكنه يبني له الصرح الذي يحيط بعالمه لينهم فيه كما تدفعه نفسه وشغفه وفضوله.

وفكرتنا تخرج عن التفكير النمطي في تحفيز الطالب وذويه على تحصيل العلم، إذ نحاول بها أن نستغل نوازع فطرة الفضول الأعمق إنسانيًّا عن موضوع خلق الكون وأصل الحياة }وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً{ (آل عمرآن:191)، وغريزة حب السفر لاستكشاف المجهول، وعصبية الفرد في السمو بنفسه ووطنه عن الآخرين، عن طريق صوغها في مشروع يهدف إلى إرسال سعودي إلى المريخ. وينطلق اختيارنا لهذا المشروع من أنه يمثّل مظلة علمية عظمى تُظِلُّ فروع العلم الرئيسية وبامتياز، فالرحلة إلى المريخ تشمل البحث العلمي في علوم الأحياء من حيث أن هدفها الأساسي هو البحث عن أصل الحياة، كما تشمل بناء البيئة الاصطناعية للحفاظ على حياة رواد الفضاء أثناء الرحلة وعلى سطح المريخ، وتشمل الفيزياء بجميع فروعها من الفروع التطبيقية إلى النظرية ما يتطلب استخدام مكثف للرياضيات، ثم تشمل جميع فروع التكنولوجيا الحديثة من التقنية والاتصالات وعلوم الحاسوب إلى علوم المواد، وبهذا فإن كل طفل وطفلة سيجد في المشروع ضالته من فروع العلوم ما يثير فضوله، ويدفعه إلى التميز حسب قدراته، ويحفّز مواهبه واهتماماته الذاتية.

 

لماذا إلى المريخ

ونقترح السفر إلى كوكب المريخ عام 2050 هدفًا ثانويًّا ممكنًا،لأنه أقرب الكواكب للحياة ولكنه صعب المنال، وبهدف أساسي قوامه بناء مغامرة السماء على قاعدة أرضية تكون آلة للتغيير الشامل لتغيير نظرة المملكة إلى العلوم والرياضيات وطرق تدريسها. وهدفنا التربوي الأول هو التغيير الجذري من اعتماد المناهج على التلقين في التعليم، إلى التَعلّمِ القائم على التنقيب عن فضول الطالب، ثم مساعدته في إطلاقه وتطبيعه في مهارات الاكتشاف والتعلم الذاتي، وشرف التفاني في تحصيل العلم. ونرى أن غرس هذا الهدف العلمي السامي في وجدان أطفالنا، سيزرع بذور الشغف بالعلم في نفوسهم، وسيقدح خيالهم بالعجب من كوننا، ليلهمهم الإبداع، وسيسلّحهم بالأحلام الكبيرة، وسيفتح لهم فرص تتويج حياتهم بالمآثر العظام، وسيمكنهم في وطنهم وأيضًا في كوكبهم، وسيغرس ثقافة التفاني في العمل في نفوسهم. كما أننا نطمح أن يؤدي تحقيق هذا المشروع إلى التغيير الجذري لنظرتنا لدور التكنولوجيا والعلوم الحديثة في حضارتنا، لنكون صانعين لها مسيطرين متمكنين منها، لا مستوردين ومستخدمين منبهرين، ولنكون مساهمين في بناء حضارة العالم لا مشاهدين هامشيين.

ويتخذ المشروع المقترح برنامج الفضاء الأمريكي «أبولو» في الصعود إلى القمر مثالاً يحتذى، وهدفنا أن تكون مساهمته في تقدم تعليم الرياضيات والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا في المملكة العربية السعودية وفي العالم مماثلة للمساهمة التي قدمها مشروع «أبولو» في تقدم العلم والتكنولوجيا في ستينيات القرن الماضي.

ومن المعروف أن مساهمة مشروع الفضاء الأمريكي بوجه عام، ومشروع أبولو بشكل خاص في انتصار الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة على الاتحاد السوفييتي البائد كانت حاسمة، فقد أسهم هذا المشروع في التفوق في كل ما يتعلق بعلوم صناعة الصواريخ العابرة للقارات ومتابعتها وتوجيهيها بشكل لم يسمح للاتحاد السوفييتي بمجاراة هذا التفوق، ولكن من غير المشهور أن تنفيذ مشروع الصعود إلى القمر أدى إلى التفوق العلمي والتقني والمجتمعي والتنظيمي والإداري للولايات المتحدة وعلى كافة المستويات، النخبوي منها والشعبي. كتب جايمس ويب، رئيس وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في الستينيات عن برنامج «أبولو»:

«يوفر الفضاء اللامتناهي فرصًا لا متناهية وتحديات لا متناهية، بحيث تسهل الدولة للفرد أن يحقق ذاته عن طريق توفير الثقافة والرخاء والحوافز والتقنية الجديدة. يفتح أبولو مجالاً جديدًا للفرد في تحريك الاقتصاد والسمو بروح الإنسان، وأكثر من هذا فإن برنامج الفضاء بدا وكأنه أنموذج غير محدود للمجتمع(6).

لقد عاد مشروع «أبولو» على نظام التعليم الأمريكي بجميع مستوياته بفوائد عظمى، فقد نمت منه شراكة بحثية وتعليمية قوية بين ناسا والجامعات الأمريكية، وأدى المشروع إلى زيادة اهتمام طلاب المدارس بدراسة مواد العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا، يقول «إليغار ساده» Eligar Sadeh (أستاذ باحث في مركز للدراسات الفضائية في جامعة كولورادو) في مقالته المعنونة «أثر برنامج أبولو المجتمعي»: «فكرة أن الأموال التي توضع في برنامج الفضاء يمكن أن توظف بطريقة أفضل إن صرفت مباشرة في النظام المدرسي لتشجيع الطلاب على دراسة العلوم والرياضيات هي فكرة خاطئة، بدليل أن الولايات المتحدة تُعدّ حاليًا من أعلى الممولين في العالم لنظامها التعليمي. فصل المقال هو أن الطالب يحتاج إلى شيء يلهمه على بذل أقصى جهده، شيء يمكن أن نسميه «رأسمال الخيال»، ولهذا فإن أثر برنامج الفضاء الإيجابي على تعلم الرياضيات والعلوم لم يسبق له مثيل، كما يتجلى ذلك من القيمة التحفيزية لبرنامج أبولو في تشجيع الطلاب لدراسة هذه الموضوعات» (7).

يحتل مشروع إرسال بعثة مأهولة إلى المريخ المرتبة الأولى في أمل الإنسانية في إيجاد أجوبة فاصلة عن أصل الحياة في الكون، كما أن النتائج الجانية لهذا المشروع تعد بأن تكون ذات مردود عال من كلّ الأوجه الاقتصادية والعلمية والمجتمعية، وقد قطعت الدول الناشطة في علوم الفضاء شوطًا بعيدًا في التخطيط والتحضير لهذه البعثة، وتوفر الحالة الاقتصادية السائدة فرصة ذهبية للمملكة لدخول هذا المشروع من أوسع أبوابه، فالأزمة الاقتصادية العالمية، التي كان لها أضعف الأثر على المملكة أدت إلى تراجع كارثي في الدعم الحكومي والشعبي في الغرب لهذا المشروع، ولهذا فإن تطوع المملكة السعودية لدخوله بقوتها الاقتصادية سيكون مرحبًا به، مما يجعل الفائدة متبادلة بين الدول مالكة التكنولوجيا، والدول التي ستشارك في تمويله.

ونقترح أن ينفذ هذا المشروع على وجهتين:

 

أولاً: الوجهة التربوية (المشروع التعليمي):

لا يمكن للإلهام والتحفيز أن يطبعا في نفسية الفرد  دون التمكين وحرية القرار، ولأن الفضول الفطري عن الكون ونشأته يتأصل في النفس من أول نظرة واعية ينظرها الطفل للنجوم في السماء، ويظل كامنًا في وجدانه مهما طال العمر، ولأن الإلهام والتطبع يكون أشد ما يكون أثرًا إذا تأتى من علاقة الرحمة المتبادلة بين الوالدين وأبنائهم؛ فإنّ من الأهميّة بمكان تسخير هذا الفضول شبه الفطري لخلق شراكة تعليمية راسخة بين الوالدين وأطفالهم، ولهذا نقترح أن يعتمد المشروع أساسًا على إشراك الآباء والأمهات فيه مشاركة منهجية، لتحقيق هدفين أساسيين: الأول توثيق العلاقة بين البيت والمدرسة لإعطاء الوالدين أكبر فرصة ممكنة للمساهمة في مجرى العملية التعليمية لأطفالهم، وهو الهدف الذي يؤكّد التربويون أهميّته دائمًا، والآخر خلق ميدان مثالي لفتح الباب واسعًا أمامهم للعطاء للوطن، ولهذا نرى أن ترتكز الحوافز التي ستُـبْـتَكر في تنفيذ المشروع على قاعدة قوامها العائلة النووية صعودًا إلى تدريب مكثف للمعلمين ومنهم إلى إعادة هيكلة وتنظيم الدوائر العليا في المؤسسات التعليمية في المملكة بطرق تتناسب مع إدخال المواد التعليمية والنشاطات التربوية المتناسبة مع أهداف المشروع. كل هذا يوجب تثقيف المجتمع ككل وبشكل مستمر عن شؤون تربية الأطفال.

ولأن الإبداع يتأصل في الخيال الإنساني الواسع عن طريق الفن؛ فإن التخطيط للتقدم يجب أن يتأسس على محورية الفنون والآداب بجميع أنواعها في إطلاق الطاقة الفكرية لأطفالنا، وتنبع العلاقة الوثيقة بين العلم الطبيعي والفن من حقيقة أن كليهما ليس إلا بنية عقلية يشيدها العقل الإنساني للتعامل مع الكون المحيط، والفرق بينهما هو أن بنية العلم العقلية تحاول التطابق مع الكون الخارجي، والذي لا تبلغه بشكل كامل أبدًا، بينما لا تشترط البنية العقلية للفن والأدب هذا التطابق كضرورة. وبهذا تنبع ضرورة الفن في التعليم والحضارة من أنه يروض العقل على تفعيل طاقته التخيلية الكامنة؛ أي تفعيل الركن الأساسي للإبداع، ويعزى إلى آينشتاين قوله: «الخيال أهم من المعرفة، ذلك أن المعرفة محدودة بما نفهم ونعلم، بينما يحوي الخيال كل العالم وكل ما يمكن أن نفهمه وأن نعلمه، وحول نفس الموضوع كتب العالم البريطاني ديراك: من المهم أن تحوي المعادلات الجمال أكثر من قدرتها على التطابق مع التجارب.

وفي المحصلة، فإن الفنون هي أرقى تعبير عن العبقرية الإنسانية، وأقواها في التأثير عليها، والمصدر الأساسي لإبداعها، وخير دليل على ذلك الإعجاز البياني الفني الذي يمثّله القرآن، ودور هذا الإعجاز في الإقناع الديني، ولهذا نرى أن تشمل خطة المشروع التعليمية تركيزاً محوريًّا على تعليم الفنون، وتحريرها من الأعراف المورثة التي كبلتها، ولكن بطريقة متّسقة مع تعاليم الدين الإسلامي.

ومع أن هدفنا هو كل أطفال المدارس، إلا أن أحد أهم أهداف هذا المشروع هو خلق بؤرة مدرسيّة نموذجيّة تستقطب المتميّزين من الطلاب، وتُطبّق المناهج الحديثة في التدريب والتعليم، وأن تُطوّر مستوياتهم في جميع التخصصات وتستخرج قدراتهم ومواهبُهم بشكل علمي حقيقي، وتحدد أوجه تفوّقهم بعلميّة وموضوعيّة، ثم يُرعى بعد ذلك هذا التفوّق وتطويره، ثم تمكينهم عن طريق فتح كل الفرص والخيارات الممكنة لهم، وتحفيزهم عن طريق استحداث طرق تعليمية وخبرات تفاعلية تتسم بالتحدي بشكل يتناسب مع حاجة كل طالب، ولتكون في نفس الوقت آلة تفاعلية للتنقيب عن طاقاتهم لاستخراجها وشحذها.

 

ثانيًا: الوجهة التنفيذية (مشروع الرحلة إلى المريخ):

 نرى أن مشاركة المجتمع عمومًا في العملية التعليمية وجعل اهتمامه بتعليم أطفالنا قضيته الأولى، هما شرطان لا بد منهما للنجاح في تفعيل الطاقات الفكرية لأطفالنا إلى منتهاها.

ونرى أن إشراك المجتمع بعمومه في هذا المشروع، سيخلق جوًّا اجتماعيًّا نشيطًا يسهم في جعل تعلم العلوم والرياضيات والتكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياة المجتمع، ودعم أطفالنا وعائلاتهم ماديًّا بشكل مغرٍ لتحفيز العائلة للمساهمة في المشروع، وهو ما يؤدي إلى مساهمتهم الفاعلة في خلق بيئة تعليميّة نموذجيّة للطالب. ويعتمد تنفيذ مشروعنا أساسًا على خطة تنفذ على المستوى الشعبي لجمع الأموال المتطلبة لتنفيذ المشروع عن طريق التفاعل البناء من الشركات التجارية العاملة في الوطن وجمع التبرعات منها، التي نرى أن المواطن يستحقها بسبب الأرباح التي تجنيها، وضعف مشاركتها في  إطار دور مؤسسات المجتمع المدني.

أمّا مشروع «الوصول الفعلي إلى المريخ»؛ فسيُعتمد في تنفيذه على دراسة شاملة من العلماء المختصين، بحيث تبحث الدراسة خيارين أساسيين: الأول أن تقود السعودية العالم العربي والإسلامي في تنفيذه ذاتيًّا، والآخر أن تنفّذه بالتعاون مع المؤسسات الفضائية العالمية عن طريق التوصل إلى اتّفاقيات دولية تضمن أهداف مشروعنا التعليمية والعلمية.

ونحن موقنون أنّ تطوير التعليم العام حلم يراود الجميع، إلا أنّ اعتراض كلّ المعنيين بالشأن التربوي يكمن في كثرة التجريب غير المبنيّ على أسس تربويّة مقنعة، وعلى ضعف المخرج التعليميّ، وضعف التحفيز وعدم التوجيه وغياب التنافسيّة. إضافة إلى ذلك، يعاني نظامنا التعليميّ من عدم تأهيل الطالب للجامعات كما ذُكر سابقاً، ولسوق العمل، وعدم تزويده بالمهارات الأساسيّة للعمل والحياة. هذه الأسباب جعلتنا نستلهم تجربة أبولّو التي أسهمت في نقل مناهج الولايات المتحدة من طور إلى آخر، وحقّقت ما كان الأمريكيون يظنونه حلمًا.

ولأن الهدف صعب المنال، وقبوله سيصطدم بالتشكيك في طاقتنا وقدراتنا الحضاريّة والثقافيّة، ولأن غايتنا هي أعز ما نملك؛ فإنا نجد أن لا مفر من اقتراح هذه المشروع الشاق، ونحن نبحث عن نخبة شجاعة من النساء والرجال، ليشاركوا في سلك هذه الطريق الوعرة، نخبة تؤمن أن قدرات أطفالنا لا تقلّ عن قدرات أطفال أي أمّة متقدّمة، وأن طموح شعبنا يوازي على الأقل طموح أكثر الشعوب حضارة ورقيًّا، وتؤمن أن الواجب يحتم علينا ألا نترك بابًا لا نطرقه وحجرًا لا نقلبه في سبيل خلق عالم أفضل لأطفالنا وأطفال العالم أجمع.

 

 

الهوامش:

1- بروفيسور علم الفيزياء - الرياض.

2- المؤسس والعميد الأول لكلية الحقوق بجامعة دار العلوم.

3- الأستاذ المشارك في كلية الآداب - جامعة الملك سعود.

4- على سبيل المثال وحسب المعيار العالمي TIMSS فقد حصل طلاب الصف الثامن من المملكة في تقييم الرياضيات على علامة 307 مقارنة بـ 403 لطلاب إيران، و367 لطلاب السلطة الفلسطينية.

ولم يتخلف عن طلاب السعودية من الدول العربية المشاركة إلا طلاب دولة قطر. للمزيد من التفصيل يراجع الرابط التالي: http://nces.ed.gov/surveys/international/tables/B_1_10b.asp

5- راجع على سبيل المثال مقالة الدكتورة بيث هانيسي (Beth A. Hennessey): الصلة بين الإبداع والحافز (The Creativity-Motivation Connection) التي نشرت في «كتاب كامبريدج عن الإبداع» ص 342.

The Cambridge handbook of Creativity, Edited by James C. Kaufman and Robert J. Sternberg, Cambridge, 2010.

-6 Here was limitless space, limitless opportunity, limitless challengeThe activist state fulfilled the individual through education, welfare, incentives, new technologyApollo would open up new realms for the individual in stimulation of the economy and elevation of the human spirit. What was more, the space programseemed a model for society without limits, an ebullient and liberal technocracy من كتاب Walter A McDougall, …The Heavens and the Earth, A Political History of the Space Age (Baltimore, Maryland: The Johns Hopkins University Press, reprinted in 1997).

-7 Societal Impact of the Apollo Program, Eligar Sadeh, Department of Space Studies, University of North Dakota, Grand Forks, ND 58202-9008 USA

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية