مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
سبورة
ثرثرة
وجهة نظر
تقارير
ملف العدد
حاسوب
التعليم من حولنا
ترجمات
مقال
رياضة
آفاق
حوار
ميادين
يونسكو
الحدث
رؤية
 
 

يونسكو
نداء للمجتمع الدولي التعليم لا ينتظر أرسلوا المعلمين بدلًا من الجنود والدبابات لمناطق الصراع!
بقلم :   أحمد أبو زيد محمد   2014-02-23 23 /4 /1435  

يخطئ من يظن أن الجنود والعسكريين والمسلحين المتحاربين هم الوحيدون الذين يحتلون الصفوف الأولى في المواجهات المسلحة في مناطق الصراع الدائرة الآن في أنحاء متفرقة من العالم. فالحروب المستعرة في عدة دول لم تمنع المعلمين المخلصين من المرابطة في تلك الجبهات وتقدم الصفوف، حيث يخوضون بكل تفانٍ معارك ضارية لزرع الأمل ونشر السلام وتحقيق المساواة. وللقيام بهذه المهمة الفدائية، يواجه المعلمون أوضاعًا مهولة ومرعبة في خضم سعيهم للتجاوب مع دعوات ومطالب الأطفال وأولياء الأمور بتوفير وتسهيل حصولهم على تعليم مفيد. وفي ضوء تلك الظروف المعوقة لأداء عمل المعلم، يتوجب على المجتمع الدولي أن يبذل جهدًا مضاعفًا لمساندة هؤلاء المعلمين، ودعم حق الطلاب في التعلم.

يشهد الهجوم على المدارس والجامعات وجميع المؤسسات التعليمية تصاعدًا في مناطق مثل نيجيريا وتايلند وسوريا، الأمر الذي تحولت معه محاريب العلم إلى ساحات للدمار والرعب. يقول أحد الأساتذة بجامعة دمشق: «من المفارقات المحزنة أن نفس الأماكن التي اعتدنا الذهاب إليها للتدريس أو لتلقي العلم يقتادنا المسلحون إليها، ولكن ليعذبونا هناك». ومع ذلك، يثابر المعلمون ويصرون على أداء واجبهم، ففي جمهورية إفريقيا الوسطى، يلجأ المعلمون وطلابهم إلى مدارس الأحراش في الغابات، حيث لا تتوفر كتب مدرسية أو سبورات، ولكن الحماس والإرادة بمقدورهما أن يعيدا الحياة إلى التعليم. وفي أفغانستان وباكستان، تتحدى المعلمات التهديدات والانتهاكات التي يمارسها المتطرفون يوميًا ضدهم من خلال الأصرار على تدريس وتعليم الفتيات اللائي يولوهن عنايتهن الجمة.

وعلى الرغم أن المعلمين والمعلمات يعرضون حياتهم للخطر من أجل طلابهم من خلال العمل في ظل ظروف تتسم بالغدر من كل الأطراف، يتلقى المعلمون العاملون في دول النزاع غالبًا رواتب متدنية للغاية، وربما الأسوأ من ذلك وهو عدم تلقي رواتب على الأطلاق. ففي لبنان، حيث يدرس أكثر من ثلاثمائة ألف طفل في المدارس العامة، يوجد الآن بالبلاد أكثر من خمسمائة ألف طفل سوري لاجئ ممن هم في سن المدرسة. وتحول كثير من المعلمين من التدريس لفصول مكونة من أربعين طالبًا إلى فصول أصبحت مكدسة بتسعين طالبًا. ورغم كل هذه التحديات، يقوم المعلمون بالتدريس، ويتعلم الطلاب، وتبدأ مسيرة الاستشفاء من كوابيس المعارك. وتقول لاجئة صومالية شابة تعيش في نيروبي عن معلميها: «إنهم لا يفوّتون درسًا قط في المدرسة، بل ويحضر المعلم دومًا في الموعد المحدد، وكله استعداد للقيام بمهمته تجاهنا. لقد أعدّتني المدرسة لمواجهة المستقبل».

وفي اجتماع عُقد مؤخرًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد زعماء الدول أن التعليم لا يمكن أن ينتظر حتى تنتهي الصراعات والنزاعات المسلحة، فهناك أكثر من 28 مليون طفل في 32 دولة تضرروا من النزاعات القائمة هناك، ومع ذلك لا يمكن للتعليم أن ينتظر. وقد وصف أحد المعلمين اللاجئين من جمهورية الكونغو الديمقراطية الوضع فور وصوله إلى كمبالا عاصمة أوغندا، واكتشافه عدم توفر فرصة للأطفال اللاجئين هناك للتعلم، قائلًا: «تذكرت كلمات قالها لي معلميّ ذات يوم: إذا وصلت إلى منتصف غابة ما لا يتوفر فيها تعليم، فعليك حينئذ أن تناضل لكي تعلم هؤلاء الطلاب لكي يتعلموا شيئًا ما، وتغرس في أدمغتهم علمًا يستفيدون منه في حياتهم»، وبناءً على هذه النصيحة، شرع المعلم اللاجئ في إنشاء مدرسة قائلًا: «حتى وإن لم يكن هناك راتب، ولم تتوفر أية مساعدة، فإنني مازلت أحمل في أعماقي وفي قلبي هذه المهنة».

والحقيقة، أن الأطفال في مناطق الصراع لا ينتظرون وصول المعلمين، ولكنهم ينتظرون تحركًا فعالًا من جانب المجتمع الدولي. فعلى الرغم من الأصرار والإبداع الذي يظهره الأطفال وأولياء الأمور والمعلمون في مناطق الصراع، يظل التعليم يعاني بشدة من نقص التمويل من قبل الجهات المانحة للمساعدات الإنسانية، حيث انخفض هذا الدعم من 2% في عام 2009 إلى 1٫4% في عام 2012، وهذا بالطبع أبعد بكثير عن نسبة الـ4% التي يطالب المجتمع الدولي بتخصيصها للتعليم.

وقد بعثت الفتاة الباكستانية مالالا، البالغة من العمر 16 عامًا، برسالة قوية للعالم من خلال الأمم المتحدة، مستلهمة فيها تجربتها القاسية حينما تعرضت لإطلاق النار عليها لنضالها من أجل التمتع بحقها في التعليم، وقد لخصت في هذه الرسالة مدى إصرار ملايين الأطفال والشباب مثلها على المطالبة بالتغيير. قالت مالالا: «بدلًا من إرسال الأسلحة، أرسلوا الأقلام. وبدلًا من إرسال الدبابات، أرسلوا الكتب. وبدلًا من إرسال الجنود، أرسلوا المعلمين».

وقد أوضح بحث ميداني أن هناك ثلاث إجراءات إذا اتخذت سيكون من شأنها تحسين الظروف بالنسبة للمعلمين والطلاب في الدول التي تعاني حالة من الصراع المسلح، وهي على النحو التالي:

 

أولًا: يجب أن تكون جميع المدارس مناطق آمنة

 وقد بدأ «الائتلاف العالمي لحماية التعليم من الهجوم» إنشاء أنظمة للإبلاغ عن الهجمات التي تقع ضد المدارس ولتعزيز إجراءات الحماية الخاصة بالطلاب والمعلمين. وفي هذا الصدد لدينا عمل كثير يتوجب القيام به.

 

ثانيًا: يجب دفع أجور المعلمين

 فدور هؤلاء حيوي للغاية وتضحياتهم ضخمة ولا يمكن إنكارها. وعندما تعجز أية حكومة عن أن تدفع رواتب المعلمين، يجب دمج الاعتمادات اللازمة للأجور في المساعدات الإنسانية التي يتم تقديمها. ففي سوريا، تقدم منظمات صغيرة رواتب تحفيزية للمعلمين، الأمر الذي يتيح لهم الاستمرار في عملية التدريس بالإضافة إلى إعانة عائلاتهم في متطلباتهم المعيشية.

 

ثالثًا: المعلمون في حاجة للتدريب

 وسواء كان المعلمون ذوو خبرة ويعملون في ظل ظروف قاسية، أو كانوا معلمين جددًا تم تعينهم لشغل أماكن المعلمين الذين اضطروا للفرار.

 يحتاج المعلمون إلى التدريب الذي يمكنهم من التركيز على التعليم الأساسي الجوهري، ويمكنهم من تقديم قدر من المشورة النفسية لطلابهم. وقد طورت «شبكة الوكالات التبادلية الخاصة بالتعليم في الظروف الطارئة» (وهي شبكة تضم أكثر من 9500 ممارس حول العالم) أدلة إرشادية يسهل الوصول إليها للتعرف على أنظمة دعم المعلمين المختلفة.

ويجدر بنا أن نؤكد أن المعلمين يشكلون ركنًا هامًا في كل مجتمع مسالم، ويزداد أهمية هذا الدور في المجتمعات التي أضعفتها الحروب. يقول أحد المعلمين البالغ من العمر 20 عامًا، والذي يعمل في مدينة حلب السورية مدرسًا للتربية الفنية (معلم رسم) للأطفال الصغار الذين دُمرت مدرستهم: «إحدى طالباتي رسمت مزهرية (فازة) وبها ورود تنزف، فسألتها: ماذا تعني هذه الرسمة؟

 فأجابت: هذه الزهور تمثل سوريا وهي تنزف، ولا أحد يهتم بها. لدي أمنية واحدة في حياتي وهي أن تصبح بلدي أفضل مما عليه الآن، وأملي بالنسبة للأطفال أن يرسموا الشمس وهي تشرق مرة أخرى في السماء».

إن المعلمين إذا ما تلقوا دعمًا، يستطيعون أن يحموا الأطفال من معاناة مزيد من الضرر النفسي والبدني. يقول مدير مدرسة سابق في حلب: «نحن نوظف كل جهودنا لكي نجعل الأطفال لا يعتقدون أن الحياة مختلفة». وقد بدأ هذا المدير وزملاؤه عمل المدارس في المساجد، التي تعتبر بمثابة مكان آمن لأن المدارس العامة مستهدفة.

يقول مدير ال=مدرسة السابق: «جمعنا المقاعد والكتب الدراسية القديمة والسبورات البيضاء من المدارس المدمرة، وكانت النتيجة العظيمة أن نرى الطلاب يعودون ثانية لمقاعدهم وعلى وجوههم ابتسامات رائعة».

إن علينا أن نجعل شجاعة هؤلاء المعلمين وتصميم ملايين الأطفال، الذين وقعوا في شرك النزاعات والصراعات، مصدر إلهام للمجتمع الدولي ليسارع إلى التصرف واتخاذ فعل إيجابي.

وإذا جاز لنا أن نستخدم كلمات الفتاة الباكستانية مالالا، «فبدلًا من ارسال الأعذار، أرسلوا الاستثمارات، وبدلًا من إرسال الآلام والكروب، أرسلوا فعلًا أو عملًا إيجابيًا، وبدلًا من إرسال اليأس، أرسلوا الأمل».

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية