مجلة المعرفة

 

 
 
ميادين
الأخيرة
ثرثرة
نوته
تربية خاصة
نفس
تقارير
موهبة
رؤى
تجارب
التعليم من حولنا
ترجمات
أوراق
بين اثنين
رياضة
آفاق
أفكار
الحدث
الحصة الأولى
أنا والفشل
 
 

يوميات معلم
صغيرات يكتبن الفطرة... وتقرؤها الحياة
  2015-03-02 11 /5 /1436  
هدى الدغفق - الرياض لم أنجب أطفالاً، ما كنت أمًا، إلا أنني اكتشفت متأخرة جدًا، أن لي بنات كبرن بعيدًا عن عيني وكبرت وحيدة يتيمة دون تذوق طعم تأثيرهن فيّ. كنت المحرومة دون رغبتي ..من التلذذ بشقاوتهن، والارتواء بأسئلتهن. أولئك بناتي اللائي أنجبنني فكبرت وكبرن ولم أشبع من التفكر في ملامحهن أوتتبع بهاء طفولتهن قفزة قفزة، فلا هن اطلعن على ذاتي، ولا كاشفنني بأمنياتي وأحلامي التي لم اكتشفها قبل ولادتي الجديدة بين أيديهن. تلميذات غزونني بالصراحة والصدق المتناهي في الكبر منذ الحصة الأولى لي معهن حين سألنني: (أنت بتدرسينا يا أبلا) وحين قلت نعم رددن: (أحسن الأستاذة اللي قبلك كانت عصبية وتصرخ علينا). قولهن أو بوحهن أو فوضاهن المنهمرة كديم؛ أيقظت في كثيرًا من المشاعر كما صدمتني، وكأن صراحتهن تستنجد بي إذ تعقد ميثاق تعلمها معي على عهد الحنو. حينذاك استيقظت فيّ مشاعر متضاربة بيضاء برغم ذلك تداعت وأوشك جسدي أن يستحيل إلى نهر يتمدد شيئًا فشيئًا منحدرًا بغية احتواء أولئك الصغيرات ذوات الثمانية أعوام ليجري بهن نحو حضني أعمق فأعمق. ساقتني المصادفة إلى تلميذات المرحلة الابتدائية حيث ذهبت إلى المشرفة أطلب أن ألتحق في دورة تدريبية تهيئني للتدريس للمنهج الجديد وكنت آنذاك معلمة للمرحلة المتوسطة إلا أن المشرفات كعادتهن أردن الفكاك من مسؤولية التدريب تلك وأحلنني إلى المرحلة الابتدائية. ذلك الأمر فاجأني جدًا حيث كنت قبل ستة عشر عامًا معلمة للمرحلة الثانوية ورشحت للعمل في مكتب الإشراف منسقة إعلامية فقبلت بذلك، خاصة أن لدي مراسًا في ذلك الجانب. وفي سنواتي الأخيرة أي قبل تقاعدي المبكر قررت أن أقدم على إجازة بدون راتب مدة ستة أشهر بغية تأليف كتابين وألفتهما وعدت لأوجه إلى التدريس ثانية بعد الانغماس في الوظيفة الإدارية ستة عشر عامًا. رغبتي في التدرب تلك كانت لأن المناهج حظيت بطرائق ومصطلحات وتصنيفات لم أكن أدركها بما يكفي. وخشيت أن أقصر بحق تلميذاتي ليس في تدريس اللغة فأنا أثق باقتداري، إلا أن الأزمة حصلت بسبب انقطاعي عن التدريس. مع صغيراتي كنت أحاول تعلم تفكيرهن وأتحسس حدود إدراكهن كيلا أتعمق في استخدام أساليب ومفردات وأدوات تفوق استيعابهن الناشئ وكنت ألحظ ذلك من خلال أسئلتهن التي تباغتني وتوجعني جدًا. حيث شعرت بأنني أرتكب جرمًا بحقهن دون أن أقصد، فاضطررت إلى تكثيف حصيلتهن اللغوية واستثمار قدراتهن التخيلية في الفهم، ولم أكن أعلم تلميذاتي فحسب بل كنت أمارس طفولتي التي لم تشبع ولم أكتف منها وخطفت مني، وكانت تلميذاتي هن من يعلمنني. فما الذي علمنني إياه تلميذاتي؟ كنت أولد من جديد عندما أنظر إلى أعينهن وحركاتهن وتنقلهن ومقاطعتهن وكثرة مطالبهن وبساطة بوحهن وشغفهن باللعب والكتابة بالألوان على السبورة والرسم والأكل في الصف وحب مساعدتي في تصويب الإجابات المنقولة من السبورة في كتبهنلأصطف وأتخذ لي إلى جوارهن مقعدًا. أدركت احتياجاتهن فملأت حقيبتي بكل ألوان أقلام السبورة بحيث يروق لهن بعد الشرح وفيما تبقى من الوقت ممارسة هواياتهن في الكتابة والرسم على السبورة. يومًا بعد يوم يكبر الحب بيننا وتشتد وشائج الثقة والشوق والانسجام، لأرى تلميذاتي يأخذن أقلامي ويكتبن على سبورة الصف معبرات لي عن مشاعرهن يرسمن القلوب والأوجه الباسمة والورود ويتشعبن في الرسم ليتنافسن فيما بينهن على جودة الخط والرسم والتلوين. كان البنفسجي أكثر الألوان المفضلة لهن والوردي والبرتقالي والأصفر والبني، فإذا نسيت اللون البنفسجي مثلاً عاتبنني على ذلك وتمنيت أنني لو أستطيع الخروج لشراء قلم جديد من أية قرطاسية قريبة من المدرسة. وحين أعود إلى البيت أتفقد أقلامي لأضعها في حقيبتي ليلاً فتتقد شفاه صغيراتي بالضحكات العذبة حين يرين ألواني حاضرة وبخاصة القلم البنفسجي. لذلك قررت أن أشتري أقلامًا وأتركها تنام في أدراج مكتبي كيلا أنسى إحداها فتحزن إحدى صغيراتي. مع تلميذاتي شعرت بقيمة أن تكون مربيًا قبل أن تكون معلمًا فالتربية هي الأهم ولم نولها اهتمامًا جديرًا بها في مدارسنا حتى اليوم. أذكر أنني جئت إلى المدرسة وكانت سترتي مقلوبة وبعد الحصة لحقت بي صغيرة لتخبرني وأشكرها ليس بيننا، بل أمام زميلاتها لأنها اختارت ألا تخبرني أمامهن فتحرجني ولأنها كانت شجاعة فلم ترتض الخطأ. وفوجئت بتلك الصغيرة تشير إلى أن زميلتها هي التي أخبرتها فتكفلت هي بتنبيهي وشكرتهما معًا. لتشجيع الصغيرات طعم الحنو بالنسبة لهن، حيث يتعطشن إلى الكلمة الطيبة من معلمتهن ويفخرن أمام زميلاتهن بذلك فخرًا كبيرًا لذلك كنت أقبل التي تجيب منهن عن سؤال صعب وأحضنها وأطلب التصفيق لها من الجميع. أما المتأخرات تعليميًا منهن فكنت أعطيهن فرصًا من الوقت والعطف والتشجيع وأمهلهن حتى يتمكن فارتفعت معنوياتهن وتحسنت قدراتهن ومستوى مشاركتهن متأججات بالحماس ومحاولات أن يبذلن جهدًا لإرضاء تلك المعلمة المتفهمة التي بعثت فيهن بعض الثقة والتشجيع واحتوتهن دون محاولة للتقليل من قدراتهن أمام الأخريات. تلميذاتي وهن يهدينني ما في حقائبهن من حلوى أردن أن يعبرن لي عن تقديرهن، إذ عطفت عليهن ولم أعاقبهن على إهمالهن وقد أكملن في الحصة ما نقص. ذات صباح كنت تغيبت قبله ثلاثة أيام عن شموسي الساطعة صغيراتي للمشاركة في مهرجان الشعر الثاني بالباحة، فوجئت بأنهن كرمنني في الطابور الصباحي وقدمن لي الباقات والقبلات والرياحين. بعضهن كتبت لي كلمات على ورقة بخط يدها هناك شهادة تقدير فاخرة من الصف تكريمًا للمعلمة المفضلة لكل صف. بعد ذلك وحين دخلت الصف احتضنني بدفء لم أشهده على نحو ما استشعرت وهن يرددن سلامات يا أستاذة اشتقنا لك. وفوجئت ببعضهن يقتربن مني وهن يهمسن لاتغيبي مرة ثانية يا أستاذة احنا نحبك. بين تجارب عدة في حقل الوظيفة لم أستفد بأيها مثلما استفدت من تجربتي القصيرة التي لم تتجاوز أشهرًا مع أولئك الصغيرات، حيث أدركت أهمية وأثر المعلمة وتأثيرها وبخاصة في مرحلة الصفوف المبكرة. حيث يمكن أن تصنع من تلك الأكباد الطرية شخصيات متفائلة مشحونة بالحب والحياة والطموح والقيم وتنحت في ذاكراتهن نموذجًا إنسانيًا سويًا مخلصًا يبعث فيها الثقة والاحترام وكثيرًا من التصورات الإيجابية التي تدفع بهن إلى السير بطموح وإقدام وتزود معرفي والتزام أخلاقي نحو المستقبل. لن أنسى كيف كن يتراكضن إلي وأنا أصعد الدرج متجهة إلى حصتي كيف يحضنني فيقفز قلبي وتطير روحي بين أيديهن الصغيرة وهي تحاول أن تشد أزر بعضها لتحكم قبضتها وتغويني بنقاء يشعرني بأن غيمًا يهطل يغسل كلي فأصاب بجنون يندر حدوثه. جنوني مغمور ببحيرة صفوهن التي لم تلوثها بعد أية تجربة أو تثنها أية محاولة سابقة أو ردة فعل سلبية عن بوحها الصغير والتعبير الفطري عن شعورها دونما تردد أو خجل أو توجس. ليس غريبًا أن تكون بأولئك التلميذات هذه الشفافية في التعبير، فهن كذلك مع بعضهن، حيث يمكن أن تخبرني إحداهن وأنا أبدأ الحصة بأن زميلتها التي تقعد إلى جوارها لم تقم بأداء الواجب أو لم تحفظ أو أنها تأكل أو تفعل أي شيء آخر اعتدن أن يتكاشفن ويكشفن عن قصورهن دون أن تحقد إحداهن على الأخرى أو تشكو منها. حتى إنهن يعدن فيما بعد للعب والضحك والحديث والاستفسار والمشاركة في عمل ما، وقد نسيت إحداهن مافعلته بها الأخرى، وينتهي الموقف ورد الفعل في حينه ولحظته. عدنا وقد كان كل منا كذلك فيما سبق من مرحلة طفولته، لماذا تغيرنا فساء حالنا وسلوكنا وتلوثت ذواتنا وإنسانيتنا؟. هل يؤدي الإدراك إلى القبح والنضج والكبر إلى التصنع والمكر والخبث والزيف؟ ثم لماذا تخالف نظرتي معلمات أخريات لايبذلن أقل قدر من الجهد لغرس القيم في أولئك الصغيرات فهن بقليل من الصبر والعطف. وهل يؤدي إنجاب المعلمة إلى الحنق وضيق الصدر مما عدا الأبناء والضجر منهم واللامبالاة بهم؟ هل يؤدي إشباع عاطفة الأمومة والأبوة إلى الشح في بذلها لأخريات في حاجة ماسة إليها؟ هل أضحت وظيفة المعلم كأية وظيفة أخرى ..وظيفة للعيش فقط؟ الآن وأنا على وشك التقاعد بعد عمل 24 عامًا لم أقدر أن أودع صغيراتي اللائي يحزنني فراقهن وحرماني عذوبتهن، إلا أنني اضطررت إلى التقاعد رحمة بهن. فأنا لم أعد قادرة بعد كل هذا العمر الوظيفي على التواضع في العطاء، فالبون شاسع جدًا بين تعليم كبيرات وتغيير طريقة تفكير بكاملها لتتماشى مع مستوى تفكير صغيرات. أتوجع كل صباح لأنني لم أدرك بعد ما يناسب ويتناسب من مفاتيح أفتح بها صناديق الخيال الذهني الذي أجهل كنوزه وأحتاج مزيدًا من الوقت والحياة والعمر للانغماس في جمالياته ومكامنه وهو ماحذا بي للتوقف عن ممارسة جهلي ودفعه إلى عقول صغيرة تتسع أعينها وهي تتفكر في كلماتي التي أشرح بها وهي أعسر عليهن مما احتواه الدرس الجديد. تجربتي القصيرة مع الصغيرات كانت عظيمة وغنية جدًا، حيث أشرعت روحي للحياة وضخت دماء عواطفي بنقاء مضاعف، فأدركت أن الله وهب كل امرئ منا خليقة نبيلة مزهوة بفطرية لا تعترف بالشر بل بالخير، وهي التي تصنع سبلها في الحياة فيما بعد وتصنع اتجاهاتها. حسنًا فلتسمحوا لي لأقول: بعد صغيراتي سأسهب في مديح السذاجة وسأنظر إلى كل فطرة لم تدنسها نزواتها بقداسة لأنها تغلبت على تشوهاتها وماحولها من تشوهات أخلاقية واحتفظت بقناعاتها وإن تناقضت. وما يعيشه الإنسان من واقع ولم تواكب مادية التغيير الطارئة التي ربما تفرض سلبيتها في الحاضر إلا أن معدن الروح يبقى القوة التي لايطفئها أي سراب عابر ولا أي بريق زائف. لذلك فسأشعل فتيل حياتي بوقود مشاعرهن في ذاكرتي، سأتغذى على شهد طفولتهن وإن كبرن، فمن أجل عذوبتهن شيدت قصورًا أسكنت ملائكتهن إياها فأضحت براءتهن بيتي الأثير أؤثثه بشرودي وأنتشي. سأحرس ملامحهن لتقصص حكاياتهن الصغيرة لي من خلال تخاطرنا الروحي الأثير لتتجلى ألف شمس وتشدو كل أغنية .. لصغيرات يكتبن الفطرة لتقرأها الحياة بهجة وضياء وتأملاً.
 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية