مجلة المعرفة

 

 
 
ميادين
الأخيرة
ثرثرة
نوته
تربية خاصة
نفس
تقارير
موهبة
رؤى
تجارب
التعليم من حولنا
ترجمات
أوراق
بين اثنين
رياضة
آفاق
أفكار
الحدث
الحصة الأولى
أنا والفشل
 
 

نوته
التسريع.. سينقذ عبدالرحمن من الملل!
بقلم :   محمد عبدالله المهنا - الرياض   2015-03-02 11 /5 /1436  

كيفَ نخلقُ الشغف في نفس الطالب ليتعلم؟

هكذا جاءَ السؤالُ ببالي ليستفزني فأحاول البحث عن إجابة تستحق أنْ نملأَ بها شيئًا من صفحات هذه الجميلة المعرفة..

أحببت هذا الاستفزاز لكنني طلبتُ الكثير من الوقت لأُفكّر..

لهذا السؤال ذريّةُ أسئلة بعضها من بعض، ومن ضلعه الأعوج سأبدأُ -بسم الله- في البحث عن كلام..

أولُ بني هذا السؤال:

ماذا يعني الشغف؟

أجبتُ سريعًا -الدافعية-.. لكنني استدركتُ سريعًا عبر سؤالين:

متى تنتهي الدافعية؟

وهل ينتهي الشغف؟

إذًا لدينا هُنا مصطلحان مختلفان!

الشغف يعني السّعيُّ حبًا إلى الحب..

الدافعية تعني السّعيُّ دأبًا إلى الحب..

كيف؟

دعوني فقط أتحدثُ عن الشغف هذا -المرتبة المتقدمة- في الحب!

وذاكَ شأنُ امرأة العزيز يوم تعلّقَ قلبها بيوسف الصدّيق، ثمّ (قالَ نسوةٌ في المدينة امرأةُ العزيز تراودُ فتاها عن نفسه قدْ شغفها حُبًا..).

وشغافُ القلب أصدقُ نقطة فيه!

أيّ شيء ينالُها ينالُ القلبَ معها، فتأتيه بالجوارح طائعةً..

والشغفُ شيءٌ يُشبهُ السعادة..

مثلما قال الفيلسوف (أحب ما تعمل تعمل ما تحب)، وكأنهُ يقول:

كنْ شغوفًا واطلب ما تحب، تكُنْ سعيدًا..

وشغفُ خير البرية كان في العبادة -حمدًا وشكرًا- جاء ذلك عندما سُئل في هذا الشأن قال صلى الله عليه وسلم:

(أفلا أكونُ عبدًا شكورًا).

وشغفٌ جامحٌ جعلَ سلمان الفارسي ينسّلُّ بريئًا من بين عبدة الشمس والنار يعبر الأقطار بحثًا عن حقيقة يجدُها بين كتفي حبيبه صلى الله عليه وسلم، يثبُ عليها.. يقبّلُها.. يُلازمُهُ إلى أن يشاءَ الله..

وقد أحبَّ السلفُ الصالحُ رجلًا أميًّا هو خيرُ العلماء وإمامُ المتعلمين، علّمهُ الله مما علّمه أنّ: (من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة).

ثمّ أحبَّ السابقونَ العلمَ وانطلقوا يفدونهُ العمر والحياة!

وإنّ منَ الأمور الاعتيادية أنْ نقرأَ ونسمعَ قصصًا تشبهُ الخيال عن رجال يشدّ واحدهم الرّحال، يقطعُ الأميالَ ويركبُ الأهوال ليتثبتَ فقط من سند حديث واحد!

أجيالٌ خلفتها أجيال على نهج العبادلة الفقهاء ونهج مصعب الخير، وإنّ لقصة شغف مصعب بالعلم ما يكفي أنْ تدعو بها الكافر فيُسلم!

كانَ أعطر فتيان قريش ودرة مجالسها، باعَ الثراء كل الثراء في البيت الكافر بغبار جدار دار الأرقم بن أبي الأرقم المباركة، وقفَ على الجدار -حينًا- شغوفًا بحديث سيّد أهل الأرض حتى دخلَ الدار وعندما دخل الدار لم يخرج منها إلّا سفيرًا بالعلم لأهل يثرب!

هكذا يرفعُ العلم أهله..

أمّا شغف عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى العلم فإنني أنظرُ إليه من نافذتين:

أولاهما ما رواه البخاري عن حمزة بن عبدالله أنّ ابن عمر قال:

سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينا أنا نائم أُتيتُ بقدح لبن فشربتُ منهُ حتى إنّي لأرى الرّي يخرجُ من أظفاري ثمّ أعطيتُ فضلي عُمر).

قالوا: ما أوّلتَهُ يا رسول الله؟

قال: (العلم).

ثانيهما بكاؤه رضي الله عنه يوم نزلت (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي..)

قالَ جوابَ «ما يُبكيكَ يا عمر»؟

ليسَ بعد الكمال إلّا النقص!

إذًا الشغفُ -فعلًا- شيءٌ يُشبهُ السعادة، ويُشبهُ الوصل لأجل الحب، لا لأجل مكافأة آخرَ الطريق!

كل ما كتب بعاليه بعيدٌ جدًا عن جواب السؤال الأول، إذ إنني أعلم جيدًا أنّ المقصود ماذا يجب أن أعمل داخل غرفة الفصل ليحب التلاميذ ما أقدمهُ لهم!

في الحقيقة لا أعلم أي شيء غير أن أكون جميلًا!

وأظن أيضًا أنّ كل ما دون ذلك يدخل في إطار الحفز الدافع للإنجاز..

لعلي أحب استقراء التاريخ أكثر من تنظير الحاضر لهذا فإنّي بليد في كتابة ما يجب، لكنّ قصةً حدثت تستحق أن تُذكر كتجربة أثرثرُ بها وأقولُ شيئًا مما أودُ أن أقول..

في أول سنة عملتُ بها كمعلم قدمْتُ متأخرًا كعادتي لمدرستي الأولى فوجدتُ الجميع يهرب من مسؤولية تعليم الصف الأول، ولأنني الأخير تورطتُ أنا!

وكانَ لزامًا أن أكون محبوبًا في قلوب أحباب الله قبل عيونهم لأحظى بشيء من شغفهم!

لكنّ الحب نصفُ الحب كان لسمكة صغيرة وضعتُها لهم في حوضها الصغير أختارُ كل يوم صديقًا واحدًا لها يقوم بإطعامها، ونصفُ الحب المتبقي كانَ لوعاء مغرور بكونه وطنًا لنبتة صغيرة لا أعلم جنسها حتى كتابة هذا المقال!

لا أذكرُ من أبطال تلكَ الرواية التي دامت سنةً كاملة إلا فتىً متّقدًا اسمهُ (عبدالرحمن) كانَ لا ينظر إلى السمكة إطلاقًا ولا يهتمُ بكونه بستانيًا جميلًا كما لم يزل جميلًا في ذاكرتي!

أتذكرُ..

عبدالرحمن كان يقرأُ الكلمات ببراعة يوم كنتُ أُجاهد في تعليم أقرانه الحروف ومخارجها، ويوم بدأتُ في تعليمهم الكلمات زحفًا كلمة كلمة كانَ عبدالرحمن قد قرأ الكتاب حتى آخر صفحات الملل..

تأكدتُ من تململ عبدالرحمن عندما فاجأني بنقده لكلمة كُتبت في جوف كتابه الذي نزغ بينه وبينه الشك!

قال:

يا أستاذ.. فيه خطأ في الكتاب!

قلت:

وأين الخطأ يا بطل؟

أشار إلى كلمة واحدة كتبت مرة منصوبة وأخرى مجرورة !

قلت:

يا عبدالرحمن هذا ليس خطأً يا صديقي..

في الصف الرابع تعرف لماذا كُتبت الكلمة بحركتين مختلفتين..

قال:

يا أستاذ أريد أن أعرف الآن!

من يومها عرفت أنّ خطوة التسريع تأخرت كثيرًا.. جدًا!

مَنْ يُنقذ عبدالرحمن من هذا الملل؟

بعد خمس سنوات من هذا الحوار، كنتُ قد هربتُ كباقي الزملاء من مسؤولية تعليم الأبجدية إلى تعليم الصف السادس، كانت السمكة قد ماتت، ولاشك أن النبتة قد رحلت إلى الذبول بعد أن هجرها الساقي!

لم أعرف عبدالرحمن من بين أقرانه حين وصل إليّ بعد كل هذه السنين!

انطفأت جذوة الشغف في صدره، وأصبح لا يميزه عن رفاقه إلّا أنه كانَ مختلفًا عنهم يومًا ما!

من أضاع عبدالرحمن الجامح ورمى به في غياهب الرّتابة؟

أنا.. الزملاء.. المنهج.. أو النظام!

ألم تدرك بعد كل هذه الثرثرة صعوبة استفزازك عليّ أيها السؤال الشغوف!!؟

في الحقيقة، أنا لا أعرفُ عن الشغف إلّا أنهُ شيءٌ يشبه السعادة والركضُ حبًا إلى الحب.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية