مجلة المعرفة

 

 
 
ميادين
الأخيرة
ثرثرة
نوته
تربية خاصة
نفس
تقارير
موهبة
رؤى
تجارب
التعليم من حولنا
ترجمات
أوراق
بين اثنين
رياضة
آفاق
أفكار
الحدث
الحصة الأولى
أنا والفشل
 
 

آفاق
الرؤية الجديدة لمدرسة القرن الـ21
بقلم :   سلمان القحطاني - أبها   2015-03-03 12 /5 /1436  

تشكل المدرسة اللبنة الأساسية في بناء كل مجتمع، وفي بناء كل أمة ناهضة، وإذا لم تنجح المدرسة في صناعة النشء وتأهيلهم لقيادة مجتمعهم والنهوض بأمتهم، فإن هذه الأمة لن تنهض، بل قد تتراجع وتفشل.

وتؤدي المدرسة باعتبارها نظامًا يتهيأ فيه الطفل ليحتل مكانته في المجتمع، دورًا كبيرًا في تنمية القدرات المعرفية للطفل، وإعداده فكريًا وذلك بتحسين المناخ المدرسي وتفعيل دور الآباء في المجالس المدرسية والأنشطة الطلابية وإشراك الطلبة في العملية التعليمية وإكسابهم المهارات الدراسية المختلفة مثل التدريب على إدارة الوقت، ورفع الدافعية الداخلية، والتعلم المنظم ذاتيًا، وحسن الاستماع والانتباه، والتواصل والاتصال.

إن للمدرسة دورًا مهمًا في محاولة إيجاد التكامل في جوانب شخصية الطالب من معارف وثقافة يستطيع من خلالها أن يفهم نفسه وواقعه وما هو مطلوب منه، وقيم ومبادئ يسترشد بها في توجهه، ويتميز من خلالها بشخصيته ويحافظ بسببها على وجوده وهويته وكيانه، ومن مهارات وقدرات تعينه على السير بخطى واثقة نحو الأمام ليفهم بها مهنته ووظيفته المستقبلية.

وعلى رغم هذا الدور الكبير الذي تضطلع به المدرسة إلا أن الإشكالية الشائكة والمتشابكة التي لم تجد طريقها إلى الحل تكمن في عدم تطوير فعالية هذه المؤسسة والرفع من جودة خدماتها، كما أن محاولات إصلاحها لم ترق إلى المستوى المنشود مما جعل التركيز ينصب في الآونة الأخيرة على وجوب تحقيق التغيير الملموس والعمل على تنشيط الحياة المدرسية وتحريك أدوارها.

وقد باتت المدرسة اليوم تواجه تحديات، لاسيما في ظل العصر الذي نشهده اليوم، عصر العولمة وثورة المعلومات والاتصالات، وبالتالي دخول التعلم الإلكتروني والثقافة الإلكترونية والحاسوبية إلى العمل التربوي المدرسي، الأمر الذي يتطلب من المدارس العمل على مواجهة هذه التغيرات من خلال تعديل البرامج والخدمات التعليمية التي تقدمها بشكل يلبي احتياجات الطلبة ومطالبهم التعليمية، ويحقق لهم التواصل الفعّال مع مؤسسات المجتمع المحلي، ومواكبة التطورات التقنية للّحاق بركب الحضارة البشرية وامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا.

ومن المعروف أن المدرسة مؤسسة اجتماعية وتربوية تقوم بتربية النشء وإكسابهم مهارات وكفايات متعددة وتنمية مواهبهم وملكاتهم، لتسهيل اندماجهم في مجتمعهم وتكييفهم معه، ومن ثم فهي مدعوة قبل غيرها لأن تكون منفتحة باستمرار على محيطها باعتماد نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في صلب اهتمامها.

وتقوم مختلف المؤسسات التعليمية والتربوية بتأطير الفرد وتهيئته لاحتلال موقع اجتماعي محدد داخل التقسيم الاجتماعي العام، على اعتبار أن هذه المؤسسات هي الأطر التي يتحرك فيها الإنسان بهدف الوصول إلى تلمس وفهم الأشياء الواقعية.

ولم يكن اعتباطًا قول أحد الحكماء الصينيين في القرن الثالث قبل الميلاد: «إذا وضعتم مشاريع سنوية فازرعوا القمح. وإذا كانت مشاريعكم لعقد من الزمن فاغرسوا الأشجار. أما إذا كانت مشاريعكم للحياة بكاملها فما عليكم إلا أن تثقفوا وتعلموا وتنشئوا الإنسان».

فالحياة المدرسية صورة مصغرة للحياة الاجتماعية في فضاءات وأزمنة مخصصة، قصد التنشئة الشاملة لشخصية المتعلم بواسطة أنشطة تفاعلية مختلفة تشرف عليها الأطر الإدارية والتربوية للمؤسسة.

وبصورة أكثر بساطة، إنها الحياة التي يعيشها ويمارسها المتعلمون في جميع الأوقات والأماكن المدرسية: أوقات التحصيل الدراسي، أوقات الاستراحة، أوقات الوجبات الغذائية. والأماكن: الفصول الدراسية، الساحات، الملاعب. ومن خلال جميع الأنشطة المبرمجة الدراسية منها والاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية.

وحتى تكون هذه الحياة مفعمة بالأنشطة التربوية والثقافية والفنية والرياضية، لا بد أن يقوم المجتمع المدرسي بمواكبة تغيرات الحياة العامة ومستجدات العصر، من أجل تحقيق الاندماج الاجتماعي للتلميذ المتعلم.

وهذا الأمر يستدعي دعم تفاعلها مع المجالات المجتمعية والثقافية والاقتصادية، لتكون بحق ديناميكية تساهم في تجديد معالم مجتمع الغد، لأن كل خيار مجتمعي وحضاري يستدعي تصورًا معينًا للإنسان ونمطًا محددًا للعلاقات البشرية، وممارسة متميزة للتربية وإعادة تشكيل سلوكيات الناس.

وكل هذا يستوجب ضمان المشاركة الفعلية والفعالة لكافة الفرقاء المعنيين بغية تحقيق تربية أساسها تعدد الأبعاد والأساليب والمقاربات والمتدخلين، ضمن رؤية شمولية وتوافقية وموحدة بين جميع الفاعلين في المنظومة التربوية لاسيما بعدما تحولت المؤسسة التعليمية إلى فضاء متميز يتم فيه تفجير الطاقات واستثمار القدرات العقلية، وتحفيز المتعلم من خلال خلق مناسبات تجعله يفكر وحده بدل تكييفه وترويضه داخل أنساق لا تنتظر منه إلا التلقي والتكرار.

وانطلاقًا من عملية التشخيص الدقيق لمؤشرات فعالية المؤسسة، يتم تسطير البرامج التربوية التي تؤدي إلى إنجاز الأنشطة وفق مخططات عمل محددة لبلوغ نتائج منتظرة، وذلك في إطار مشاريع متكاملة ومنسجمة نتجنب فيها الروتينية والموسمية والارتجال.

وبما أن الطلبة هم قلب العملية التربوية التعليمية ومحورها، فلن يحدث التقدم العلمي إلا بهم ومن خلال إعدادهم لحمل ومواجهة تلك التحديات والتغيرات والاستفادة من كل إيجابيات التقدم، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال تطوير نظم التعليم والتأسيس لما يسمى بالمدرسة العصرية بما تحويه الكلمة من معنى وأهداف ورؤية ومنهج ووسائل وتجهيزات ومناخ فعّال. وتتلخص الرؤية الجديدة لمدرسة القرن الحادي والعشرين في العمل بفاعلية نحو مستقبل الطالب وحياته الوظيفية وإعداده للحياة المهنية وإكسابه مهارة اتخاذ القرار والتعليم والتدريب المستمر.

وهذا يفرض على المدارس أن تتصرف بأسلوب مخطط ومنظم، وأن تعمل على تزويد طلبتها بتجارب التعلم خارج أسوار المدرسة، وتدريبهم على استراتيجيات التعلم الذاتي والتعلم التعاوني وأسلوب حل المشكلات.

وحتى يتحقق ذلك لابد من توافر مجموعة من العوامل التي تشكل بدورها عناصر البناء التعليمي للطالب وهي: رؤية المدرسة، المناخ المدرسي، دافعية الطالب، المعلم، المنهج المدرسي، الأسرة. وقد تطرح بعض التساؤلات حول هذا الجانب نذكر منها: إلى أي مدى ترتبط المدرسة بحياة الطالب؟ ما رؤية المدرسة وتوقعاتها نحو طلبتها؟ هل المناخ المدرسي آمن نفسيًا وجسديًا للطلبة؟ هل تستثير المدرسة دافعية الطالب نحو عمليتي التعلم والتعليم؟ هل يستخدم المعلمون طرقًا عملية فاعلة في تدريس المنهج المدرسي بشكل يحقق رغبات الطلبة ويوصلهم للتحصيل الجيد؟ هل ترتبط المناهج الدراسية بالبيئة المحلية واحتياجات الطالب والمجتمع؟ هل تتفهم المدرسة التأثيرات الإيجابية الناتجة عن مشاركة الأسرة في تعلم الطلبة وتحسين سلوكياتهم؟

فإذا كانت المدرسة في بداية ظهورها تهدف إلى تلقين الطلبة المعلومات وهم يقومون بدورهم في نقل تلك المعلومات واجترارها دون فهم أو تمحيص، فإن مدرسة اليوم تختلف عن مدرسة الأمس من حيث خططها وأهدافها وبرامجها ورؤيتها نحو طلبتها وتوجهاتها المستقبلية ومنهجيتها في العمل والتعامل، ومعنى هذا أن تلك التغيرات تملي علينا أن ندرك حقيقة الدور الذي يفترض أن تلعبه المدارس في المستقبل، إذ يطلب منها الاهتمام بإعداد طلبة قادرين على مواجهة تحديات العصر، مسلحين بالمعرفة والمهارات والاتجاهات وملتزمين بالعمل من أجل تحقيق أغراض التنمية الوطنية، لديهم من القدرات والإبداعات التي تساعدهم في العيش في عصر العولمة.

ومن هنا فإن التجديد التربوي الذي نسعى إليه يضع المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير والتطبيق، فتغدو المدرسة فضاء خصبًا يحرر الطاقات الإبداعية ويكسب المواهب والمهارات في مختلف المجالات التي تنشط تلاميذ المؤسسة ثقافيًا وعلميًا ورياضيًا وفنيًا.

ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بضخ دماء جديدة في حياتنا المدرسية عامة، وفي العمل اليومي للتلميذ خاصة، فتكون المؤسسة مجالاً خصبًا للإقبال على متعة التحصيل الجاد والتنافس الشريف بشرط الاعتناء بكل الفضاءات وجعلها قطبًا جذابًا، تتوفر فيها جميع شروط العمل المريح المستقر.

ولكي تتمكن المؤسسة من الانفتاح على محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لا بد من ترسيخ المقاربة التشاركية ومقاربتي الجودة والتقييم، حتى تتمحور كل الأعمال على التدبير بالنتائج والتدبير بالمشاريع.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية