مجلة المعرفة

 

 
 
ميادين
الأخيرة
ثرثرة
نوته
تربية خاصة
نفس
تقارير
موهبة
رؤى
تجارب
التعليم من حولنا
ترجمات
أوراق
بين اثنين
رياضة
آفاق
أفكار
الحدث
الحصة الأولى
أنا والفشل
 
 

موهبة
حتى لا تصبح الكتابة بخط اليد طلاسم لا نستطيع حلها
بقلم :   صلاح الشهاوي - مصر   2015-03-03 12 /5 /1436  

الخط لغة:

الخط مشتق من الجذر الثلاثي: خطط.

وفي لسان العرب: «هو الطريقة المستطيلة في الشيء والجمع خطوط».

والخط: الطريق، ويقال: اتبع ذلك الخط ولا تظلم عنه شيئًا. وخط القلم: أي كتبَ. وخط الشيء كتبه بقلم غيره.

ويعرف ابن خلدون في مقدمته الخط بقوله: «إنه رسوم وأشكال حرفية تدّل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس، فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية، وهو صناعة شريفة، إذ الكتابة من خواص الإنسان التي يميز بها عن الحيوان، وأيضًا.. فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض إلى البلد البعيد فتُقضى الحاجات».

والخط والكتابة والتحرير والرقم والسطر والزبر بمعنى واحد، وقد يطلق الخط على علم الرمل.

قال القلقشندي صاحب كتاب صبح الأعشى: «الخط ما تتعرف منه صور الحروف المفردة، وأوضاعها وكيفية تركيبها خطًا».

وقال أمين الدين ياقوت الملكي: «الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية، إن جودت قلمك جودت خطك، وإن أهملت قلمك أهملت خطك».

أما الخط اصطلاحًا: فيقصد به تصوير اللفظ برسم حروف هجائية بتقدير الابتداء به والوقوف عليه.

كما عرفت الكتابة: على أنها نقوش مخصوصة دالة على الكلام دلالة اللسان على ما في الجنان.

جدل الكتابة بخط اليد والضرب على لوحة المفاتيح:

منذ عامين صدر تقرير مثير عن بعض المختصين، يتعلق بنظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية. أشار التقرير الذي تداولته وسائل الإعلام إلى أن التلاميذ سوف يتوقفون خلال العام الجاري عن تَعَلُّم الكتابة بحروف متصلة وتعليمهم عوضًا عن ذلك الكتابة الإلكترونية- الكتابة على لوحة المفاتيح الإلكترونية للكمبيوتر.

وقد استبقت بعض الولايات التقرير وما حواه مِن ملحوظات ومقترحات، وأعلنت قبل صدوره بفترة طويلة، إلغاء الكتابة اليدوية تمامًا مِن برامجها التعليمية. وعلى ذلك  أصدر الخبراء هناك أحكامًا صارمة، بوجوب التَخَلُّص مِن عملية الكتابة باليد، مؤكدين أن عصرها قد انتهى، وأن استمرار تعليمها للأطفال جنبًا إلى جنب مع الكتابة الإلكترونية أمر عبثي. رأوا أن امتلاك المدارس للتكنولوجيا الحديثة منذ البداية أهم وأجدى، بحيث لا يضطَرّ الطفل إلى الإمساك بالقلم، ولا يُصاب بالارتباك بين الطريقتين. تصبح حياته الدراسية مُكَرَّسة للنَقرِ على الأزرار، والأسباب التي استند إليها المرحبون بالتقرير وملحوظاته تتعلق فعليًا بانتشار الكتابة على لوحة المفاتيح الإلكترونية، فقد صارت الوسيلة الأكثر سهولة بالنسبة للأجيال الناشئة، بينما تحولت الكتابة اليدوية، سواء بحروف متصلة أو منفصلة، إلى عملٍ شاقٍ وغير مرغوب فيه.

ومع بداية العام الدراسي 2014م ألغيت الكتابة العادية الجميلة باليد في كثير من المدارس الأمريكية، واستخدم التلاميذ بديلاً عنها برمجيات معالجة نصوص، مثل Word من أجل إتقان العمل على لوحة المفاتيح. لذا أصبح تعليم الكتابة بخط اليد، بمختلف أنماطها، الذي يبدأ عادة منذ الصف الأول الابتدائي لم يعد إلزاميًا. وليس هذا مدهشًا في بلد يكرس معلمو المدرسة الابتدائية فيه ساعة واحدة أو أقل في الأسبوع لتعليم الكتابة باليد، وحيث يمارس صانعو البرمجيات ضغوطًا قوية. وهذا غير متصور في فرنسا مثلًا حيث التعلق بالقلم والورقة في المدرسة قوي وعميق. أما في بريطانيا فيقر 40 في المئة من المواطنين أنهم لم يكتبوا باليد منذ ستة أشهر.

ويتساءل البعض: ما الفائدة بعد من الكتابة باليد وقد غزت الحواسيب صفوف المدارس، حيث يمضي التلاميذ وقتًا أطول في إرسال «الإيميلات» من ذلك الذي يقضونه في كتابة رسائلهم باليد؟

- وقد أجريت أبحاث كثيرة للإجابة عن سؤال هام في هذا المجال قام بها علماء نفس وسلوك واجتماع وأطباء من تخصصات عدة وظل السؤال: هل من الحتمي أن نعرف الكتابة باليد كي نتعلم القراءة؟

وهل الضرب على لوحة المفاتيح يترك أثرًا ذهنيًا يمكن أن ينشط موضع القراءة بالمخ كما تفعل الكتابة بخط اليد؟

وللإجابة عن هذا السؤال بشقيه ابتكر العلماء تجربة جديدة طبقوها على 76 طفلًا من مدرسة الحضانة بعد أن قدروا كفاءاتهم في القراءة وفي الكتابة، وضعوهم في مجموعتين، إحداهما يجب عليها أن تتعلم الحروف من خلال كتابتها باليد. والأخرى من خلال كتابتها بواسطة لوحة المفاتيح وبعد ذلك بأربعة أسابيع، أعاد العلماء تقييم الأداءات في القراءة: «كانت الحروف التي تعلمها الأطفال باليد مميزة بشكل أوضح من تلك التي تعلموها بالضرب على مفاتيح اللوحة».

ولما أراد العلماء تفسير علمي فسيولوجي لذلك قاموا بتصوير مخ هؤلاء الأطفال أثناء التجربة بالرنين المغناطيسي تبين أن مناطق الكتابة الحركية بالمخ هي التي تنشط عند رؤية الحروف المكتوبة باليد.

لذا قالوا: «إذا لم يتعلم الطفل الكتابة باليد لا يمكنه استخدام ذاكرته الحسية- الحركية- بخصوص الحروف، التي تبقى غائبة. ومن شأن ذلك أن يبطئ بشكل مؤكد قدرات تميزه للحروف. وعندئذ، يمكننا أن نتصور أنه سيواجه صعوبات أمام عشرات الكلمات إن لم يكن صفحات نصية كاملة».

إلاّ أن مؤخرًا ظهرت تقارير أخرى من الكثير من الولايات المتحدة الأمريكية تتراجع عن التقرير السابق ومساندته، وتنادي بإلغاء فكرة التقرير السابق بقصر تعليم الخط على تعليم لوحة المفاتيح الإلكترونية، وعلى هذا قامت ولاية «تنيسي» بفرض تَعَلُّم الكتابة، بالحروف المتصلة، على التلاميذ الصغار. بعد أن أدرك المسؤولون أن فرط استخدام لوحة الأزرار الإلكترونية يجعل الطفل غير قادر على مجرد التوقيع باسمه، وأنّ الطفل الذي لا يكتب بيده، يجد صعوبة حقيقية في قراءة خط اليد، وتصبح الكلمات أمام عينيه مثل الطلاسم التي يُجاهِد لحَلِّها.

الكتابة باليد:

بدأ الإنسان الكتابة، ولم يألُ جهدًا في تطوير الوسائل التي تساعد على تحسين وضعية الكتابة ومستوى أدائها، وكانت اليد وما زالت الوسيلة الفعّالة للكتابة، رغم ما استحدثه الإنسان من آلات يضبط بواسطتها الكتابة.

الكتابة بخط اليد صفة شخصية بحتة تدل على طبيعة الإنسان وتعبر عن حالته النفسية فهي وسيلة الاتصال الاجتماعي التي مارسها الإنسان خلال عصور وأزمنة مختلفة. ولقد مرت عملية الكتابة باليد بمراحل مختلفة تطورت فيها أساليبها وأصبحت اختصاصًا يدرس في عدد من المعاهد الفنية، وتكاد لا تخلو لغة من لغات العالم من أنواع الخط المختلفة، ولغتنا العربية المعروفة بغناها الفني تملك أنواعًا عديدة من أساليب الخط اليدوي وضعها خطاطون مهرة تجاوزت 37 نوعًا من خطوط الكتابة باليد.

وخط اليد في التعريف: هو التجسيم الحرفي لرسائل المخ إلى اليد عبر الأعصاب.

والأصابع هي الأجزاء الطرفية الأخيرة من الجسم التي بها يتحقق طرح رسائل المخ على الورق. والخط تسجيل للفكر وتعبير عن الذات.

والصور النمطية الخطيّة مكانها المخ وليس اليد، ولذلك فإن قطع اليد واستبدال أصابع اليد بأصابع القدم لا يؤثر بعد التدريب اللازم على شكل الخط، ويأتي توقيع الشخص بأصابع قدمه مطابقًا لتوقيعه الذي كان له بأصابع يده.

والخط لذلك وسيلة تشخيص علميّة لشخصية الكاتب وحالته النفسيّة وقت الكتابة، وهو وسيلة تشخيص تحاول أن تكشف عن مضمون الشخصية ككل وليس عن مجرد سِمات معينة. وعلم الخط دعوى عريضة، وأما تحليل الخط فهو بحق وسيلة علمية للتشخيص النفسي، ومحلل الخطوط هو شخص مدرب على استكناه السِمات النفسية وله دراية بالطب النفسي وعلم الأعصاب، وقد قيل إنه من المستحيل أن يتشابه اثنان في خط اليد، ومهمة محلل الخطوط أن يكتشف ما يعبِّر عنه الخط، ووسيلته في ذلك مرآة مكبّرة ومسْطرة، ويعتمد على الحدس أو الإدراك فوق الحسي، أي قراءة المعنى الكلّي الذي يتجاوز التفاصيل.

وفي تاريخ التحليل النفسي للخطوط كانت هناك طريقة تُعْنى بالتفاصيل، وتهتم بكل حرف والشكل الذي هو عليه، والطريقة التي يكتب بها، وسُمِّي ذلك عناصر الخط، أو إشاراته الثابتة (مدرسة ميكون). كما كانت هناك طريقة أخرى تقرأ المظهر الكلّي للخط وتستشِف منه سِمات الكاتب، وتُشبه الطريقة الكلّية طريقة (الجشطلت).

والكتابة بخط اليد هي فعل لازم لمن مارس الكتابة بحب وأبدع من خلالها في توصيل أفكاره وإبداعه للآخرين  فالكتابة بخط اليد تمثل عادة جميلة الفعل ومتعة لدى الكاتب الذي يجد لذة وسعادة من خلال ممارسة هذا الفعل – لذا نجد الكثير من الأدباء والكتاب لهم طقوس خاصة يمارسونها عندما يكتبون مثل نوع القلم والورق وكيفية الكتابة – من ذلك:

أن الكاتب الصحفي مصطفى أمين كان يكتب في أي وقت وأي مكان، وإذا أمسك بالقلم – وكان يستخدم ريشة حبر- فلا يرفع سن القلم عن الورق إلا إذا أنهى ما يكتبه وكان خطه مقروءًا ومنظمًا.

وكان د.ذكي نجيب محمود يقطع الورقة التي يكتب عليها إلى نصفين فلم يحدث أن أرسل مقالاً على ورقة طويلة وكانت كلماته واضحة وسطوره خالية من الشطب.

أما يوسف السباعي، فكان قليلاً ما يكتب سطرًا دون كلمة مشطوبة أو مصححة وكان يكتب بأي قلم وعلى ورق الصحف الأسمر اللون.

أما محمد حسنين هيكل فيكتب بالحبر ومن النادر أن يشطب فله طريقة في الكتابة يقرأ فيها همسًا وبصوت غير مسموع ما يكتبه وسطوره منتظمة ولكن كلماته صغيرة وتحتاج إلى من يتعود عليها لمعرفة قراءتها.

وكان العقاد يكتب على ورق غير مسطر كلماته كبيرة الحجم ولكنها منظمة ومنقطة بعناية، بل ومشكلة أيضًا.

أما توفيق الحكيم فكان يستخدم القلم الرصاص والممحاة ويكتب سطورًا منظمة وخطًا واضحًا.

ونجيب محفوظ كان يكتب على ورق مسطر من نوع واحد لم يغيره ويكتب على سطر دون سطر بالقلم الحبر وخطه واضح جميل ليس به شطبة واحدة، ومن الطريف عن كتابة الراحل  نجيب محفوظ بيده أنه كان أعسر – أي أنه كان يستخدم يده اليسرى أفضل بكثير من اليمنى- ورغم ذلك فقد درب نفسه على الكتابة باليد اليمنى أيضًا، وكتب نصف رواياته باليد اليسرى ونصفها الآخر باليمنى.

أما الشاعر اللبناني شوقي بزيع فهو لا يكتب الشعر بالبيت إطلاقًا فهو يكتب شعره في المقهى – مقهى بعينه على شاطئ بيروت- على طاولة بعينها بورق أبيض ناصع وبحبر أسود، ويكتب في النهار لا في الليل.

ولكن في عصر السرعة وتقلص الزمن المتاح للإنسان لجأ إلى وسائل أخرى غير خط اليد، خصوصًا مع من لم يألف متعة هذه الطريقة. فظهرت الآلة الكاتبة التي لم يستصغها الكثير من الكتاب وأحجموا عنها لما رأوه من برودة حروفها المصفوفة وأنها لا ترقى لنقل المشاعر الجياشة والأحاسيس المتوهجة التي يسطرها القلم.

والآن ومع ظهور أسرع وسيلة للكتابة – الكومبيوتر – لم يعد الكاتب يجهد نفسه بالتفكير في تحسين خطه واستدعاء المشاعر لتتدفق من العقل إلى اليد على الورق، بل أناط المهمة لعدد من البرامج الإلكترونية المعدة في جهاز الكومبيوتر، التي يمكن للمرء من خلالها تحرير مراسلات تجارية وعلمية ورسائل شخصية وأدبية تخضع اليوم إلى الكتابة الإلكترونية حيث يحل الكومبيوتر محل القلم.

لذا تساوى الجميع وفقد كل كاتب سمة من أهم ملامح شخصية وأثر ذلك على قدرته وأسلوبه في الكتابة فتقلصت كثيرًا إمكاناته في التعبير عن أفكاره ومشاعره التي هي أكبر من أن تنقلها حروف إلكترونية جامدة.         

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية