مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
وجهة نظر
رؤى
تربية صحية
طبيعة
أوراق
ترجمات
حاسوب
تقنيات
الملف
آفاق
موهبة
الحدث
الحصة الأولى
 
 

آفاق
التعليم القائم على المشاريع العملية
بقلم :   فلاح العطوي   2015.04.04. 15 /6 /1436  

يشكل التعليم القائم على المشاريع العملية نموذجًا تعليميًا مميزًا يعتمد بشكل كبير على نظريات التعلم الحديثة ويفعلها، وهو بديل للتلقين والاستظهار والفصول الدراسية التي يقودها المعلم، حيث يُشغل الطلاب في استقصاء المشكلات الملحة في نطاق سياقهم الاجتماعي التي تصل إلى ذروتها في النتاجات الفعلية.

 يتميز هذا النوع من التعلم بالعديد من المزايا لتنفيذ هذه الاستراتيجيات في الفصول الدراسية بما في ذلك عمق أكبر لإدراك المفاهيم، وقاعدة معرفية أوسع، وتحسين الاتصال والمهارات الشخصية والاجتماعية، وتعزيز مهارات القيادة، وزيادة الإبداع، وتحسين مهارات الكتابة.

ويحدث ذلك انطلاقًا من أنّ الطلاب يصبحون أعمق فهمًا للعلم إذا أتيحت لهم الفرصة لمواجهة مشكلات واقعيّة حياتيّة، معقدة ومثيرة للتحدّي، حيث يقومون بتحديد إحدى المشكلات وفق أدوات البحث العملي والنموذج العلمي لحل المشكلات ومن ثم تصميم مشروع عملي للمساهمة في حل هذه المشكلة، ويصاحب ذلك تصميم معرض ومنتجات لنتائج التعلم.

 

تاريخ التعليم القائم على المشاريع

إنتاج مشروعات للمنهج ليس جديدًا ولا هو ثورة فكرية في التعليم، فقد كان جون ديوي من أوائل من نادي بفكرة «التعلم بالممارسة» وذلك في مقاله المشهور الذي حمل عنوان My Pedagogical Creed وفيه وضّح معتقداته فيما يتعلق بالتعليم قائلًا: «إن المعلم ليس في المدرسة لفرض أفكار معينة أو لتشكيل عادات معينة في الطلاب، ولكنه هناك بوصفه عضوًا في المجتمع يساعد في تحديد المسارات التي يجب أن تؤثر على الطالب وتساعده في الاستجابة بشكل مناسب لهذه التأثيرات، لذلك أثق فيما يسمى بالأنشطة التعبيرية والبنائية كمركز لإقامة علاقات متبادلة».

ثم طورت الأبحاث التربوية هذه الفكرة للتعليم والتعلم في منهجية تعرف باسم «التعلم القائم على المشاريع»، وأثبتت هذه الأبحاث أن الطلاب في الفصول الدراسية التي تبنت التعليم القائم على المشروع قد حازت  درجات أعلى من الطلاب في الفصول الدراسية التقليدية.

كما أن الأبحاث في علم الأعصاب وعلم النفس مكنت النماذج الإدراكية والسلوكية للتعلم الداعمة للتدريس المباشر التقليدي من توضيح مدى الارتباط المعقد بين المعرفة والتفكير والفعل والتعلم.

وفي عام 2011 وصف Markham التعلم لقائم على المشاريع على النحو التالي: «التعلم القائم على المشروع هو التعلم الذي يدمج ما بين المعرفة والفعل، حيث الطلاب يتلقون المعارف وعناصر المناهج الدراسية الأساسية، ولكنهم أيضًا يطبقون ما يعرفونه من أجل حل مشاكل حقيقية والحصول على نتائج قابلة للتطبيق».

وقد ارتبط التعليم القائم على المشاريع بالنظريات البنائية لجان بياجيه، حيث يكون التعليم عبر المشروع هو «منظور شامل يركز على التدريس من خلال إشراك الطلاب في التحقيق من خلال البحث عن حلول للمشاكل عن طريق طرح الأسئلة والتكرار، حيث يناقشون الأفكار، ويتنبؤون بالتوقعات، ويصممون الخطط أو التجارب، ويقومون بجمع وتحليل البيانات، واستخلاص النتائج، ويوصلون أفكارهم والنتائج إلى الآخرين، ويعاودون طرح أسئلة جديدة؛ لخلق منتجات جديدة من ابتكارهم.

تعريف التعليم القائم على المشروع

هناك العديد من الاختلافات حول تعريف التعليم القائم على المشروع، ولكن معظم التعريفات أجمعت على أن التعليم القائم على المشاريع هو مهمة منظمة أو المنتج المنسق والموجه للتعلم،  الذي عادة ما يركز على خبرات تعلم أصيلة، ويقتضي التحقيق المتعمق، ويشجع التفكير متعدد التخصصات، ويستثمر فوائد من التعاون، ويشمل التقييم المستمر.

وتكمن قوة التعلم القائم على المشروع في الأصالة وتطبيق البحوث في واقع الحياة وتعتمد فكرته الأساسية على إثارة اهتمام الطلاب بمشاكل العالم الحقيقي والدعوة للتفكير الجاد فيها وتحفيزهم على اكتساب وتطبيق المعرفة الجديدة في سياق حل المشكلة. ويلعب المعلم دور المُيسِّر، والعمل مع الطلاب يتركز حول تأطير المسائل الجديرة بالاهتمام وهيكلة المهام ذات المغزى، والتدريب على تطوير المعرفة والمهارات الاجتماعية.

ويتم هذا التعلم وفق نموذج قرص بلوم للتعلم، حيث ينتقل الطلاب أثناء تطبيق المشروع والتعلم منه من مرحلة المعرفة إلى الفهم، ثم التطبيق، ثم التحليل، فالتركيب، فالتقويم، مما يعزز تعلمهم وينمي قدراتهم العقلية العليا ويعرض الطلاب نتائج مشاريعهم في معرض خاص لعرض نتائج التعلم ويصاحب ذلك اكتساب معارف ومهارات وتنمية قدرات متنوعة تساعد الطالب على التوافق مع متطلبات الحياة في القرن الحادي والعشرين.

التركيز على الطالب وليس المنهج

عادة ما يستفيد الطلاب الذين يتبنون التعلم القائم على المشروع من الأدوات الرقمية للوصول لمنتجات تشاركية عالية الجودة، حيث يعيد التعليم القائم على المشروع تركيز التعليم على الطالب، وليس المنهج وهو تحول عالمي شامل يقدر الأصول غير الملموسة ويحرك العاطفة، والإبداع، والمرونة؛ وهذه لا يمكن أن تدرس من خلال كتاب مدرسي، ولكنها عناصر يتم تنشيطها من خلال التجربة.

ويعتبر التركيز على الأسئلة المفتوحة والمهام التي تثير التحدي من أهم خصائص التعلم القائم على المشروع، إضافة إلى أنه يخلق حاجة إلى معرفة المحتوى والمهارات الأساسية، وهو يتطلب التحقق من المعرفة أو خلق شيء جديد، كما يتطلب التفكير الناقد والتمكن من حل المشكلات والتعاون، ومختلف أشكال الاتصالات، وكثيرًا ما يعرف باسم مهارات القرن الـ21، أيضًا يوفر مجالات لوصول أصوات الطلاب ويعزز حق الاختيار. كما يشتمل على التغذية الراجعة والتقييم والتحقق والتكرار، بجانب عرض النتائج أمام الجمهور، ونشرها متطلب أساسي.

 فوائد ومزايا

تشجّع المشروعات الطلابية جيدة التصميم عمليّة البحث والتأمّل والاستفسار النشط والارتقاء بالتفكير مما ينعكس على نشاط الطلاب العلمي، كما تتعزّز قدراتهم في التعلّم الذاتي وحلّ المشكلات حينما يزاولون بأنفسهم حلّ مشكلات حياتيّة حقيقيّة، ويكونون أكثر وعيًٍا بمدى ارتباط الحقائق العلميّة بالمهارات والحياة، أيضًا فإنّ العمل في المشروعات الحقيقيّة يعزّز قيمًا ومهارات يحتاجه طلاب اليوم والغد، منها قيم العمل والتعاون والنجاح التشاركي، ومهارات التخطيط والقيادة وإدارة الوقت والتواصل مع الآخرين والتفاوض، كما تعزّز انتماء الطلاب الوطني واتجاهاتهم الإيجابيّة نحو المجتمع والبيئة والحياة.

كما يتيح التعلم القائم على المشروع فرصة التنافس الشريف بين المجموعات المتكافئة التي تتضمن كافة المستويات الذكائية (المرتفع - المتوسط - الضعيف)، أيضًا في العمل التعاوني النشط هو إبداع لمجموعة من العقول لتحقيق الجودة في الأداء، وكذلك يصبح الطلاب أكثر اندماجًا في التعلم، فعندما تحين لهم الفرصة فإنهم يتحدون ويسعون لحل مشكلات تقترب أو تتشابه مع الحياة الحقيقية، كما يذهب التعلم بالمشروع إلى وراء ما يتطلع إليه الطلاب، حيث يشجع التصميم الجيد للمشاريع على البحث النشط وينمي مهارات التفكير العليا.

دور المعلم والطالب

يعتمد التعلم القائم على المشروع على مجموعات التعلم التي تحدد مشاريعها، وذلك يجعلهم ينخرطون في العملية التعليمية من خلال تشجيعهم على تحمل المسؤولية الكاملة لتعلمهم. فعندما يستخدم الطلاب التكنولوجيا كأداة للتواصل مع الآخرين، فإنهم هنا يتخذون دورًا نشطًا في مقابل الدور السلبي الذي يعتمد على نقل المعلومات من قبل المعلم.

ويعد دور المعلم في التعلم المبني على المشروع هو دور المُيسِّر، وهذا لا يعني تخليهم عن ضبط التعليم في المدارس أو الطلاب، وإنما هي عملية تطوير جو  من المسؤولية المشتركة، حيث يجب على المدرس هيكلة السؤال والمشكلة المقترحة وتوجيه الطلاب نحو قوائم المواد التي تشتمل على المحتوى؛ كما يجب أن يساعد الطلاب على تنظيم الأهداف الانتقالية لضمان بقاء التركيز على المشاريع وامتلاك فهم عميق للمفاهيم التي يجري التحقيق فيها.

أما دور الطالب فيكمن في طرح الأسئلة، وبناء المعرفة، وتحديد حلول لقضايا حقيقية تم إثارة التساؤلات حولها. ويجب على الطلاب التعاون وتوسيع مهارات الاستماع النشط، كما يتطلب منهم الانخراط في شبكة تواصل ذكية ومركزة. ويتيح لهم ذلك التفكير بعقلانية في كيفية حل المشاكل. ويدفع التعلم القائم على المشروع الطلاب لامتلاك زمام عملية التعلم الخاصة وامتلاك القدرة على إنجاحها، حيث إن ما يحدث في التعلم عبر المشروع هو مناسبة تمكن المتعلمين من أن يكونوا مسؤولين عن تعلمهم وعدم النظر إلى التعلم كمسؤولية للكبار فقط.

التخطيط لمشروعات التعلم

تحتاج المشاريع حسب التصميم إلى أن تكون جديرة بتخصيص الوقت اللازم لإنجازها. وقد تستغرق هذه المشروعات بضعة أيام أو أسابيع أو لفترة أطول، والتخطيط أمر ضروري لتحقيق النجاح، وهو ينطوي على عدة عوامل، منها: تصميم أهداف ونتائج محددة للتعلم، واستخدام المصادر الأولية في كثير من الأحيان لدعم التفسير والاكتشاف، وتزويد الطلاب بالتغذية الراجعة المستمرة والثابتة.

إضافة إلى مساعدة الطلاب في إدارة الوقت واستخدام أدوات التعاون الرقمية عند الاقتضاء، هذا فضلاً عن إتاحة الوقت الكافي لتحقيق متعمق وتطوير المشاريع، وتوفير فرص وافرة وتشجيع التعاون المستمر بين الطلاب، علاوة على التعلم التعاوني القائم على المشاريع وتنمية قدرات المعلمين والقيادة هذا بجانب تكامل التكنولوجيا.

عوائق وسلبيات

على رغم أن تعلُّم الطلاب القائم على المشروع يزود الطلاب بمهارات لا غنى عنها ويتيح لهم توسيع عقولهم والتفكير فيما وراء ما يفعلون، إلا أن هناك عددًا من سلبيات التعلم بالمشروعات، منها: تكليف الطلاب فوق طاقتهم المادية والاجتماعية، وعدم توافق الزمن مع متطلبات المشروع، بمعنى كثير من المشاريع والتجارب تحتاج إلى وقت كاف لتنفيذه على مراحل.

إضافة إلى تكرار المشروع مع كل مناسبة من قبل المعلم مع نفس الطلاب خلال الفصل الدراسي الواحد، وانشغال الطلاب بالمشاريع التعليمية للمواد على حساب تحصيلهم العلمي مما يترتب عليه تدني المستوى التحصيلي لجميع الطلاب، خاصة المتفوقين، كما أن بعض المشاريع التعليمية لا تمت بصلة بالمادة العلمية بالمقرر ومحتواه، فضلاً عن كثرة المشاريع التعليمية بالمقررات الدراسية بالفصل الدراسي الواحد.

مقترحات لضبط المشاريع التعليمية

هناك عدة مقترحات ووسائل كفيلة بضبط وتنظيم المشاريع التعليمية، منها دمج المشاريع وفق التخصصات المتشابهة مثلاً مقررات العلوم (فيزياء - كيمياء - أحياء - رياضيات) والدين (الاجتماعيات والإنجليزي) و(العلوم المسلكية والمهنية والإدارية)، بحيث يكون يومًا مفتوحًا موحدًا لكافة المشاريع في نهاية الفصل الدراسي، فضلاً عن ضرورة تحديد المقررات التي من ضمن متطلباتها إقامة مشاريع واستثناء المقررات الأخرى التي لا يستوجب من متطلبها إقامة مشاريع لتخفيف العبء على الطالب.

أيضًا لا بد من توعية الطالب بالدليل الإجرائي لنظام المقررات لمعرفة المقررات التي يتطلب من ضمن توزيع درجاتها تنفيذ مشاريع والمقررات الأخرى التي لا تتطلب ذلك، وذلك بتوزيع نسخة لكل طالب من هذا الدليل والإلمام بمقدار الدرجات المخصصة لكل مشروع بكل مقرر، كما يجب توعية الطالب والمعلم على حد سواء بعدم المبالغة المفرطة بالمشروعات حتى لا تسبب ضررًا على أداء الطالب ومستواه التحصيلي.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية