مجلة المعرفة

 

 
 
الأخيرة
تربية صحية
نحو الذات
رؤى
ترجمات
البعد السابع
حاسوب
نفس
الغلاف
أوراق
دراسات
موهبة
آفاق
أفكار
الحصة الأولى
 
 

آفاق
السلوكية.. نظرية التعلم المنبثقة من مختبرات السلوك الحيواني
بقلم :   عبد الحكيم الرويضي   2015-12-06 24 /2 /1437  

خلال سنة 1879 أحدث وليم فونت مختبر علم النفس التجريبي بجامعة ليبزغ بألمانيا؛ فقام علم النفس أول مرة مستقلاً عن الفلسفة. ومنذ ذلك الحين وعلماء النفس يطرحون أسئلة حول طبيعة السلوك الإنساني وبالخصوص تلك المتعلقة بالحياة العقلية والشعور والتعلم والذاكرة والإدراك والدوافع وغيرها. وبما أن التعلم جوهري للوجود الإنساني كان لابد أن يحظى باهتمام لم يحظ به أي موضوع آخر في علم النفس التطبيقي.

ظهرت المدرسة السلوكية عام 1912 على يد جون واطسون، وهو عالم نفس أمريكي، كان قد نشر مقالاً بعنوان «علم النفس كما يراه السلوكيون» وقد اعتبر بمثابة «مانيفيستو» سطر فيه واطسون السمات الأساسية وملامح فلسفته السلوكية. وجاءت كردة فعل على الاتجاهات النفسية التي كانت تعتمد التفسيرات العقلية البحثة لفهم السلوك الإنساني، وفي مقدمتها التحليل النفسي. 

السلوكية القادمة من روسيا

ظهرت بوادر الاتجاه السلوكي في علم النفس، على يد إيفان بافلوف، وهو عالم روسي كان مختصًا في وظائف الأعضاء، وقد حصل على جائزة نوبل في الطب عام 1904، لأبحاثه المتعلقة بالجهاز الهضمي، وهي التي قادته إلى نظرية الاستجابة الشرطية لتفسير سلوك التعلم. 

كان من عادة خادم بافلوف أن يدخل في وقت محدد من كل يوم ومعه طعام للكلب، الذي كان يسيل لعابه كلما رأى الطعام. لكن حدث مرة أن دخل الخادم في نفس موعد أكل الكلب ولكنه لم يكن يحمل طعامًا في يده، لاحظ بافلوف أن الكلب قد أسال لعابه فقط لمجرد رؤية الخادم. وعاود التجربة ولكن هذه المرة بقرع الجرس قبيل تقديم الطعام، فلاحظ أن لعاب الكلب كانت تسيل كلما سمع صوت الجرس.

الإشراط الكلاسيكي يحدث معنا باستمرار فعلى سبيل المثال عندما تشرب عصير التفاح، ففي الوقت الذي تستمتع بمذائقه فإن أذنيك تطربان لموسيقى فيروز. وحدث مرة أنك جالس في الفصل وتسرب إليك عبر النافذة صوت نفس الموسيقى الذي كنت تستمع لها ذلك اليوم وفي يدك كأس العصير، سوف تتذكر تلقائيًا مذاقه، بل حتى ذلك الشعور الذي كنت عليه. 

ولبافلوف يرجع الفضل في ظهور الاتجاه السلوكي الذي أعلن عن قيامه كمدرسة حديثة في علم النفس بالولايات المتحدة الأمريكية على يد واطسون وتعززت أبحاثه على يد ثورندايك وسكينر وآخرين.

واطسون وألبرت الصغير

يقول واطسون: «لو وضع تحت تصرفي اثنا عشر طفلاً رضيعًا يتمتعون بصحة جيدة وبنية سليمة، وطلب مني أن أعلمهم بالطريقة التي أعتقد أنها المثلى للتعلم، فإنني قادر على تعليم أي من هؤلاء الأطفال بطريقتي هذه. بحيث يصبح مختصًا في المجال الذي أختاره له؛ كأن يكون طبيبًا أو محاميًا، أو رسامًا، أو تاجرًا أو حتى شحاذًا أو لصًا، بغض النظر عن مواهبه وميوله ونزعاته وقدراته وحرفته وعرق أجداده». ثم يضيف ويقول: «إنني أتجاوز إلى ما وراء الواقع الذي أومن به وأعترف بذلك، ولكن أصحاب الرأي المعارض كانوا يفعلون ذلك أيضًا لآلاف السنين» ولعل هذه الجملة هي التي تنصف واطسون وتجنبه سوء الفهم، لأن في تغييبها يجعل موقفه يبدو أكثر تطرفًا. وهذا الافتراض في مجمله هو ما يجعلنا نضع واطسون بين أصحاب المذهب البيئي الذين يأخذون بنظرية الفردية الصارمة في التعلم. 

على خلاف بافلوف وعامة السلوكيين قام واطسون بتجربة مثيرة للجدل في علم النفس عام 1920، وقد نقل التجريب على الحيوان إلى البشر. تم تخليد التجربة  في الكتب التمهيدية لعلم النفس باسم «تجربة ألبرت الصغير»، وقد كانت تهدف إلى إظهار إمكانية تطبيق نظرية الإشراط الكلاسيكي لإشراط الخوف من الفئران البيضاء عند «ألبرت الصغير»، وهو صبي يبلغ من العمر أحد عشر شهرًا.

 قام واطسون بمعية وراينر، وكانت مساعدة له، بضبط الخوف عند «ألبرت الصغير» من خلال الطرق على قضيب حديدي في اللحظة التي يظهر فيها الفأر الأبيض. لكنهما قاما في بداية الأمر بإحضار فأر أبيض للصبي ولاحظا أنه لم يكن خائفًا منه. بعد ذلك أحضرا الفأر الأبيض للصبي وقاما بقرع القضيب الحديدي، فبكى ألبرت الصغير من الخوف، وقد تم تكرار هذه الخطوة الثانية لعدة مرات. وأخيرًا، قام واطسون وراينر بإحضار الفأر الأبيض بمفرده فظهر الخوف على الصبي. ومن ثم أظهرت التجربة كيف أن المشاعر قد تصبح ردود فعل مشروطة أو متحكم فيها.

ثورندايك: حاول ثم حاول 

إن إدوراد ثورندايك هو واحد من تلاميذ داروين المخلصين، فقد كان مقتنعًا بأن استمرار التطور يجعل سلوك الحيوان مفيدًا في علم النفس البشري ولعل هذا هو السبب الذي كان يدفعه أثناء دراسته في جامعة هارفرد إلى إجراء التجارب على الدجاج عندما كان يعجز عن إيجاد العناصر البشرية اللازمة.

وكان ثورندايك يؤمن بأن التربية علمًا من العلوم فقد كتب يقول: «نحن نقهر حقائق الطبيعة عندما نلاحظ هذه الحقائق ونجري التجارب العلمية عليها، وعندما نتمكن من قياس هذه الحقائق فإننا نجعل منها خدمًا لنا».

لقد بدأ اهتماماته الأولى في مجال التعلم، وأصدر أول مؤلف تحت عنوان «علم النفس التربوي» ويقع في ثلاثة مجلدات وضح فيها بعض قوانين الارتباط مثل قانون التدريب وقانون الأثر وحدد استخداماتها التربوية في مجال عمليات التدريس وإعداد المعلمين.

كان اهتمامه الأول منصبًا على قياس الذكاء، ووجد نفسه مسوقًا للتجارب على الحيوان. ومن أشهر تجاربه أنه قام بوضع قط جائع داخل قفص حديدي مغلق، له باب يفتح ويغلق بواسطة سقاطة، عندما يحتك القط بها يفتح الباب ويمكن الخروج منه. ثم وضع خارج القفص طعامًا بحيث  يستطيع القط إدراكه عن طريق حاستي البصر والشم. إذا نجح القط في أن يخرج من القفص يحصل على الطعام الموجود خارجه. ولاحظ ثورندايك أن المحاولات الأولى لسلوك القط داخل القفص اتسمت بقدر كبير من الخربشة والعض العشوائي.

بعد نجاح القط في فتح باب القفص والوصول إلى الطعام وتناوله إياه، كان يترك حرًا خارجه وبدون طعام لمدة ثلاث ساعات، ثم يدخل ثانية إلى القفص إلى أن يخرج مرة أخرى. وهكذا تتكرر التجربة إلى أن يصبح أداء الحيوان وقدرته على فتح باب القفص أكثر سهولة. مما نتج عنه انخفاض الفترة الزمنية نتيجة استبعاد الأخطاء وسرعة الوصول إلى حل المشكلة، وبالتالي فقد تعلم القط القيام بالاستجابة المطلوبة؛ إذ بمجرد أن يوضع في القفص سرعان ما كان يخرج منه.

تعرف نظرية ثورندايك باسم المحاولة والخطأ، حيث يرى أن التعلم عند الحيوان كما هو لدى الإنسان يتم بواسطة المحاولة والخطأ. فحين يواجه المتعلم المشكلة ويريد أن يصل إلى هدف معين فإنه نتيجة لمحاولاته المتكررة يبقي على استجابات معينة ويتخلص من أخرى. وبفعل التعزيز تصبح الاستجابات الصحيحة أكثر تكرارًا وأكثر احتمالاً للظهور في المحاولات الموالية للاستجابات الفاشلة، التي لا تؤدي إلى حل المشكلة والحصول على التعزيز.

حمامة سكينر 

اعتمد  فريدريك سكينر على قانون الأثر لدى ثورندايك في تفسير التعلم وفق التعزيز الموجب، فكان يرى أنه يجب الاهتمام والتركيز على الاستجابة أكثر من اهتمامه بالمثير. 

ويميز سكينر بين نوعين من السلوك؛ الاستجابي والإجرائي. فالأول هو عبارة عن رابطة بين المثير والاستجابة، بحيث تستجره مثيرات محددة ومعروفة. وأما النوع الثاني من السلوك فهو يظهر تلقائيًا؛ فليس هناك مثيرات قبلية تستجر السلوك الإجرائي وإنما مثيرات تهيئ الفرصة لظهوره، كقيادة السيارة أو ركوب الدراجة أو المشي على الأقدام بهدف الوصول إلى مكان ما، فالكائن الحي نفسه من يستجر هذا النوع من السلوك. 

قام سكنر بوضع حمامة في صندوق ووضع عليه علامتين، واحدة حمراء والثانية بلون أخضر بحيث تكون الحمامة قادرة على رؤيتهما. وكانت الاستجابة الإجرائية المطلوبة هي النقر على العلامة الحمراء ليتعزز ذلك بحصول الحمامة على القمح، ولا تحصل على الطعام إذا ما قامت بالنقر على العلامة الخضراء. نتيجة تكرار العملية يحصل ما يسمى بالإطفاء؛ ومثاله توقف الحمامة عن النقر على العلامة التي لا تحصل فيها على تعزيز. 

ويتحدث سكينر عن تشكيل السلوك الذي يستخدم كأسلوب لتعليم استجابات معقدة؛ كتعليم الحمامة لعبة تنس الطاولة وتدريب الأفراد على لفظ بعض الكلمات المعقدة وعلى الطلاقة اللفظية، ويتم تشكيل السلوك عن طريق تعزيز الاستجابة المطلوبة. ومن المعززات الأكثر فعالية هي معرفة المتعلم لنتائج استجاباته وقد استخدمها سكينر في التعليم المبرمج.

النظرية البنائية.. الإنسان يبني معرفته الخاصة   

قبل أن يسطع نجم البنائية خلال القرن الماضي، كان عباقرة أثينا، سقراط وأفلاطون وأرسطو قد تحدثوا عن تكوين المعرفة، وبعدهم جاء القديس أوغسطين يقول: «يجب الاعتماد على الخبرات الحسية عندما يبحث الناس عن الحقيقة».  

وترى المدرسة البنائية أن الفرد يفسر المعلومات والعالم من حوله بناء على رؤيته الشخصية، فيتعلم الملاحظة والمعالجة والتفسير ومن ثم يحدث تكييف المعلومات بناء على المعرفة التي بناها الفرد؛ فالتعلم يتم عندما يكون الفرد محور سياقات حقيقية واقعية وتطبيقات مباشرة لتحقيق المعاني لديه. 

وعلى الرغم من أن الفلسفة الرئيسة للبنائية تنسب إلى جان بياجيه، إلا أن بستالوزي قد أتى بنتائج مشابهة قبل أكثر من قرن على ذلك؛ فكان يؤكد على ضرورة اعتماد الطرق التربوية على التطور الطبيعي للطفل وعلى مشاعره وأحاسيسه، وهو بذلك أكد أهمية الحواس كأدوات للتعلم، ونادى بربط مناهج التعليم بخبرات الأطفال التي تتوافق وحياتهم في بيوتهم وبيئاتهم العائلية.

المتعلم إيجابي لا سلبي 

وأما جان بياجيه فهو عالم نفس وفيلسوف سويسري، طور نظرية التطور المعرفي عند الأطفال فيما يعرف الآن بعلم المعرفة الوراثية. وأنشأ بذلك مركزًا لها في جنيف عام 1965، وظل يترأسه  إلى أن توفي عام 1980. 

وترى المدرسة البنائية أن المتعلم نشط وغير سلبي، ذلك لأن المعرفة لا يتم استقبالها فقط من الخارج أو من أي شخص، بل هي تأويل ومعالجة المتعلم لأحاسيسه أثناء تكون المعرفة، والمتعلم هو محور عملية التعلم بينما يلعب المعلم دور الموجه والمشرف على العملية، ويجب أن تتاح الفرصة للمتعلمين في بناء المعرفة عوضًا عن استقبال المعرفة من خلال التدريس وأهم نشاط في التعلم البنائي هو التعلم الواقعي  الذي يرى أن التعلم يتم في السياق.

ويرى بياجيه أن التعلم سيرورة متوازنة بين استيعاب الوقائع ذهنيًا والتكيف معها في نفس الوقت، ويتم التكيف بدمج معطيات وخصائص المحيط المادي والاجتماعي في مقولات وتحويلات وظيفية؛ فالعمليات العقلية التي يقوم بها الفرد من أجل التكيف مع المثير البيئي، هي التي تؤدي إلى نمو معارفه عن هذا المثير. لتصبح بذلك التربية نشاطًا من أجل المعرفة، التي تحدث عندما يقوم الشخص باختبار مضامين الخبرة الجديدة، وتوظيف جميع الجوانب الذهنية والجسمية والنفسية والعاطفية. ويتحمل المتعلم مسؤولية عملية التعلم، فهو العنصر الأساسي في العملية، بحيث يوجه نشاطه ذاتيًا بشكل ينسجم مع إمكانياته وميوله وخبراته.

خطة سير الدرس 

يؤكد نموذج التعلم البنائي على ربط العلم بالتكنولوجيا والمجتمع، ويسعى إلى مساعدة المتعلمين على بناء مفاهيمهم العلمية ومعارفهم من خلال أربع مراحل: مرحلة الدعوة، ومرحلة الاستكشاف، ومرحلة اقتراح التفسيرات والحلول، ومرحلة اتخاذ القرار. بالتالي فإن عملية التعلم تسير وفق طريقة دينامية وليس ميكانيكية كما هو بالنسبة للتعلم السلوكي.

وتسير هذه المراحل بشكل متتابع في خطة سير الدرس، فهي تبدأ بالدعوة وتنتهي باتخاذ القرار، كما أنها تعتبر متداخلة ومتكاملة مع بعضها البعض ومع العلم والتكنولوجيا، وتتفاعل معهما من خلال الاستقصاء وحل المشكلات. تتوقف خطة سير الدرس على الموقف التعليمي التعلمي، فإذا ما ظهرت مهارة جديدة سيؤدي ذلك إلى دعوة جديدة ومن ثم استمرارية دورة التعلم؛ ابتداء باكتشاف المفهوم ثم استخلاص المفهوم وأخيرًا تطبيقه. كما تتيح هذه الخطة فرصة للمناقشة والحوار بين المتعلمين فيما بينهم، وبين المتعلمين والمعلم؛ فيكسبهم لغة الحوار السليم وينمي روح التعاون فيما بينهم. 

ما هو المطلوب؟

على المعلم أن يركز على تهيئة بيئة التعلم ومساعدة تلاميذه في الوصول لمصادر التعلم. وألا يكتفي بنقل المعلومات فحسب، لأنه وفقًا للنظرية البنائية فالتعلم لا يبدأ عند هذه النقطة بل بعدها؛ أي عندما يبدأ المتعلم بصياغة المعنى الشخصي الذاتي الناتج عن المعرفة. وللبيئة أثر بليغ على بناء المعرفة لديه فهو يتلقاها غير مكتملة ويبنيها داخل عقله بناء على ما لديه من معلومات وخبرات شخصية. 

ولكي يساعد المعلم تلاميذه على اكتساب الخبرة الجديدة يجب عليه أن يعرف كيفية بناء كل متعلم لمعرفته الخاصة. ويتم ذلك بأن يقدم بعض الأسئلة الكاشفة التى توضح إن كان لدى التلاميذ خبرة سابقة وبنيات لها علاقة بالموضوع الجديد. ومن ثم عليه أن يساعدهم على تشكيل المعلومة، وببعض التوجيهات البسيطة منه يمكن للتلاميذ أن يضفوا صفة الذاتية على معارفهم بالطريقة التي تروق لكل واحد منهم.

 
 

الرئيسة|طباعة

 ارسل لصديق

  علق على الموضوع

 
 


تعليقات القراء
 
 

الرئيسة|أضف الموقع للمفضلة|اجعلنا الصفحة الرئيسية